يرى الكاتب والمفكر التركي محمد ألطان أن البلاد دخلت لحظة فارقة: انتهت مرحلة السلاح والصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، لكن الدولة لم تنتهِ بعد من استخدام القوة والقمع باسم مكافحة الإرهاب، ما يكشف عن ازدواجية مقلقة في توجه السلطة، ويطرح سؤالاً وجودياً: هل نعيش نهاية للعنف أم مجرد تغيير في أدواته؟
نهاية السلاح… لا تعني نهاية القمع
في حوار مع الكاتب الصحفي روشن شاكر، نشره عبر صفحته على موقع يوتيوب، يشير ألطان إلى أن قرار حلّ العمال الكردستاني وسحب السلاح يمثل حدثاً مفصلياً في التاريخ السياسي التركي، ولكنّه يلاحظ أن السلطة لا تزال تتعامل مع الوضع كأن التهديد قائم، بل وتستخدم شعارات “الوطن” و”كارثة التقسيم” لمواصلة التضييق على الحريات.
التحول لم يُستوعب بعد
يؤكد ألطان أن المجتمع السياسي والدولة لم يتأقلما بعد مع هذا التغيير، لا سيما في ضوء استمرار عقلية “العدو الداخلي”، حيث تُستخدم قوانين الإرهاب وأدوات القضاء كوسائل لإسكات المعارضين، لا لمواجهة التهديدات الحقيقية.
قضية الديمقراطية قبل قضية الأمن
يرى ألطان أن الحديث عن “تركيا بدون إرهاب” لا يستقيم دون دولة ديمقراطية، لأن السبب الرئيسي للإرهاب والعنف، بحسب كل من حزب العدالة والتنمية وعبد الله أوجلان، هو انسداد قنوات السياسة الديمقراطية.
ويقول بوضوح: “طالما بقي النظام أوتوقراطياً، فلن يثق الناس في أي عملية سلام.”
ثنائية غائبة: نهاية السلاح بداية الحرية
في رأيه، فإن السلطة تسعى لاستثمار نهاية السلاح كأداة دعائية دون أن ترافقها إصلاحات سياسية أو قانونية حقيقية، بل تستمر في اعتقال الصحفيين، وقمع المتظاهرين، وتعيين “أوصياء” على البلديات المنتخبة، في تناقض فاضح مع الخطاب التصالحي.
القضايا الجوهرية لا تزال معلقة
ينوه ألطان بأن القضية الكردية لم تُحل بعد، بل تحوّلت من صراع مسلح إلى مطالب حقوقية، وفي طليعتها قضايا اللغة الأم، والمساواة في المواطنة، والاعتراف بالهوية، مؤكدًا أن الحديث عن التعايش والعدالة يتطلب مناقشة هذه المسائل بوضوح وشفافية، لا الاكتفاء بالشعارات.
العدالة الانتقائية
ينتقد ألطان قيام النظام باعتقال رؤساء البلديات المنتخبين ثم التلويح بإعادتهم بقرارات فوقية، ويقول: “هذا ليس عدلاً ولا ديمقراطية، بل سلطة تعتبر نفسها مانحة للحقوق، لا خاضعة للقانون.”
النظام يبيع الوهم ويحتكر الدولة
بحسب ألطان، فإن مشكلة النظام ليست في نواياه، بل في فقدانه للمصداقية، لأن نفس السلطة التي هددت سابقاً رئيس المحكمة الدستورية بإرساله إلى جبال قنديل، معقل العمال الكردستاني في كردستان العراق، لا يمكن أن تقنع الناس اليوم بأنها تسعى بصدق إلى المصالحة، مضيفًا: “لا أحد يصدق أن السلطة التي خرّبت المؤسسات تريد اليوم إصلاحها.”
توظيف رمزي لخطاب “تركيا الجديدة”
يعتقد ألطان بأن أردوغان يستخدم مفاهيم مثل “رد البلديات المغتصبة إلى رؤسائها” أو “انفتاح سياسي” كمناورات لكسب الوقت أو تمرير الأزمات، دون نية حقيقية لتأسيس دولة القانون. وهذا ما يفسّر، في رأيه، الفتور الشعبي رغم أهمية إعلان العمال الكردستاني حلّ نفسه.
من الدولة إلى “السراي”… أين موقع الإنسان؟
يؤمن ألطان أن أكبر مشكلات تركيا اليوم هي انعدام التركيز على الإنسان، فالمجتمع يعاني من فقر مدقع، وبطالة متفشية، وأزمات زراعية وصحية ومناخية، لكن الخطاب السياسي لا يتحدث عن هذه القضايا، بل يستبدل الحديث عن الحقوق الأساسية بالمعارك الرمزية كـ”معاهدة لوزان، ومسألة السيادة، والتهديدات الخارجية”.
الاحتجاجات الديمقراطية هي الأمل
يشيد ألطان بالتحركات الشعبية والمعارضة المدنية، مثل المظاهرات أمام الجامعات واحتجاجات البلديات، ويرى أنها تمثل بذور مقاومة حقيقية لسلطة أصبحت منفصلة عن الشعب ومهووسة بالبقاء فقط.
من النفاق إلى الانفجار؟
يخلص البروفسور محمد ألطان إلى أن تركيا تمر بلحظة حاسمة: إما أن تتحول إلى دولة ديمقراطية تستثمر السلام لبناء الجمهورية الثانية، أو تبقى رهينة نظام يُنكر القانون، ويستغل كل فرصة لتعزيز سلطته، ولو على حساب المجتمع بأكمله.

