بقلم: سليم نيازي أوغلو
تشهد العقيدة العسكرية الإيرانية تحولاً جوهرياً يتجاوز أطر الدفاع التقليدية، حيث انتقلت طهران من التركيز على المواجهة المباشرة إلى تبني استراتيجية “سلاح المضائق” كأداة ضغط جيوسياسي عالمية. هذا التحول لا يستهدف حماية الحدود الإقليمية فحسب، بل يرمي إلى جعل كلفة أي عمل عسكري ضد إيران أزمة اقتصادية شاملة تطال تداعياتها عواصم القرار الدولي، محولةً الممرات المائية من مجرد مسارات جغرافية إلى أوراق مساومة استراتيجية كبرى.
توسيع الجغرافيا الأمنية: من هرمز إلى باب المندب
لم يعد مضيق هرمز، الذي يتدفق عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمي، هو الورقة الوحيدة في يد طهران، بل برز مضيق باب المندب كحلقة وصل حيوية وأكثر خطورة في معادلة التصعيد الجديدة. ويمثل هذا التوجه الإيراني، الذي عبر عنه بوضوح مستشار وزير الداخلية “محمد حسن نامي”، نقلة في “معادلة الحرب”، إذ بات التلويح بتعطيل الملاحة في باب المندب وسيلة لتهديد شريان التجارة الآسيوية المتجهة نحو أوروبا عبر قناة السويس.
تدرك طهران أن السيطرة الرمزية أو الفعلية على نقاط الخنق البحرية، التي تمتد لتشمل حتى التلميح بالتأثير في مضيق “مالاكا”، تمنحها قدرة على تعطيل سلاسل الإمداد الدولية. وهذا الانتقال من الردع العسكري المحض إلى “الضغط الاقتصادي الكوني” يهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن استقرار أسواق الطاقة العالمية مرهون باستقرار أمن إيران.
سلاح الطاقة وتوقعات الصدمة السعرية
في قلب هذه الاستراتيجية يبرز شبح “النفط باهظ الثمن” كأداة ردع لا تقل تأثيراً عن الصواريخ المسيرة، حيث تلوح التحذيرات الإيرانية بارتفاع أسعار الخام إلى مستويات فلكية تتراوح بين مائتين ومائتين وخمسين دولاراً للبرميل في حال نشوب صراع يعطل الملاحة. هذه الصدمة الطاقية المتوقعة تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من هشاشة النمو، مما يجعل من تهديد المضائق سلاحاً قادراً على إدخال النظام المالي العالمي في ركود حاد وغير مسبوق.
الأذرع الإقليمية وحروب الوكالة غير المتكافئة
يمثل إدماج باب المندب في دائرة الصراع تفعيلاً مباشراً لدور الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم جماعة الحوثي في اليمن. وقد أثبتت التطورات الأخيرة، لا سيما خلال التوترات المرتبطة بحرب غزة، قدرة هذه الجماعة على فرض واقع عسكري جديد في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وإجبار كبرى شركات الشحن على تغيير مساراتها، مما يعزز من فاعلية استراتيجية “الحرب غير المتكافئة” التي تتبناها إيران للتعويض عن فجوة القوة التقليدية مع القوى الغربية.
سياسة حافة الهاوية وتحديات التدويل
تعتمد طهران في تحركاتها على سياسة “حافة الهاوية”، وهي مقامرة محسوبة تهدف إلى إجبار الخصوم على إعادة حساباتهم تحت وطأة التهديد الأقصى. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد يواجه تحديات جسيمة، منها احتمال تشكيل تحالفات عسكرية دولية أوسع لحماية حرية الملاحة، مما قد يؤدي إلى صدام مباشر، ومنح مبررات إضافية للقوى الغربية لتشديد الخناق الاقتصادي عبر عقوبات أكثر صرامة، وتزايد الهواجس الأمنية لدى الدول المطلة على البحر الأحمر، مثل السعودية ومصر ودول القرن الأفريقي، التي تعتمد بشكل حيوي على استقرار هذه الممرات.
السياق السياسي الراهن وقواعد الاشتباك الجديدة
يأتي هذا التصعيد في ظل مناخ مشحون بالتوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع استحضار تصريحات سابقة للإدارة الأمريكية حول احتمالية العمل العسكري، مما دفع الحرس الثوري الإيراني إلى التأكيد بأن طهران لم تكشف بعد عن كامل ترسانتها وقدراتها الردعية. إن إعادة تعريف قواعد الاشتباك هذه تعني أن إيران تسعى لتحويل أي مواجهة مستقبلية من “حرب جغرافية محدودة” إلى “كارثة اقتصادية عالمية”، مستغلةً موقعها الفريد على أهم طرق التجارة البحرية في العالم.
الردع عبر العولمة الأمنية
إن لجوء إيران لورقة المضائق يعكس إدراكاً عميقاً بأن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بالعتاد، بل بالقدرة على التأثير في تدفقات العولمة. فبينما تسعى جهود دبلوماسية إقليمية، تقودها أطراف مثل باكستان ودول خليجية، لاحتواء الموقف، تظل هشاشة الاستقرار القائم مرشحة للانفجار، حيث أصبح أمن الطاقة العالمي رهينة لمعادلة “توازن الرعب” في الممرات المائية.
خلاصة
تتبنى إيران عقيدة ردع تقوم على عولمة أثر الحرب عبر استهداف مضائق هرمز وباب المندب، محولةً أمن الطاقة العالمي إلى درع جيوسياسي يحميها من المواجهة العسكرية المباشرة.

