في مشهد يلخص قدرة الإنسان على تجاوز الصعاب، تحولت عبارة والدته الساخرة “لا تخترع”، (التي تعني في هذا السياق: الزم بالمألوف ولا تلهث وراء أشياء وأمور جديدة) إلى عنوان لمسيرة مبدع حصد جوائز عالمية.
برنامج (الناجون) على يوتيوب، الذي يسلط الضوء على قصص النجاح بعد الانكسار، استضاف في حلقته الأخيرة الأكاديمي والمخترع يونس قره جاباي، الذي انتقل من قريته المتواضعة في تركيا إلى مختبرات وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، مروراً بمحطات لجوء قاسية بعد أحداث محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 تموز 2016.
طفولة متواضعة وبدايات الإبداع
وُلد يونس قره جاباي في ولاية سِواس التركية، وهو الابن الثامن في عائلة مكوّنة من عشرة أطفال. منذ طفولته، كان شغوفاً بالابتكار والتجريب، إلا أن والدته كثيراً ما كانت تعاتبه بعبارة: “لا تخترع“.
واصل دراسته الجامعية في أنقرة، ثم انتقل إلى أوزبكستان للعمل في التدريس، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث انخرط في مشاريع علمية وتقنية متقدمة.
من مختبرات الفضاء إلى رحلة اللجوء
بعد المحطة الأمريكية، عاد قره جاباي إلى تركيا، لكن أحداث 15 تموز 2016 وما تلاها من حملة اعتقالات وفصل تعسفي دفعته، مثل آلاف الأتراك، إلى مغادرة البلاد.
اضطر الأكاديمي المبدع إلى طلب اللجوء في ألمانيا، حيث واصل مسيرته البحثية وشارك في مسابقات علمية عالمية، حاصداً جوائز من مؤسسات كبرى، أبرزها وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا).
“العدالة الطائرة”: مشروع “اليمامة“
من بين أحدث ابتكاراته، يعمل قره جاباي على تطوير طائرة بدون طيار أطلق عليها اسم “أوَييك” (اليمامة)، التي يصفها بـ”طائر العدالة”. ويؤكد أنه يسعى لتوظيف هذه التقنية في شراكات مهمة ضمن قطاع الطيران، مع خطط لإطلاق النسخة النهائية في المستقبل القريب.
أحلام تتجاوز الربح المادي
على الرغم من حصوله على صفة “رجل أعمال” بفضل نجاحاته التقنية، يصر قره جاباي على أن هدفه الأول هو خدمة المجتمع. إذ يخطط لإنشاء مؤسسة تعليمية وثقافية وبيئية باسم “غُلماه“، بحيث تُموَّل بالكامل من أرباح شركاته، في مسعى لدعم التعليم والبحث العلمي.
حلم العودة إلى التدريس
إلى جانب مشاريعه الصناعية، يواصل المخترع التركي دراسته للغة الألمانية في بلد لجوئه، ويؤكد أن أمنيته الكبرى هي العودة إلى مهنته الأولى، التدريس. ويختصر هذه الرغبة بكلمات معبرة: “جئت إلى الحياة معلماً، وأريد أن أغادرها معلماً… لكن بصفة إنسان صاحب رسالة.”
المبدعون الأتراك في الشتات
قصة قره جاباي تعكس واقع آلاف الأكاديميين والمهندسين الأتراك الذين غادروا البلاد بعد 2016، سواء خوفاً من الملاحقة أو سعياً لفرص علمية أكثر حرية. كثير منهم أثبت قدرته على المنافسة عالمياً، لكن قصصهم نادراً ما تحظى باهتمام الإعلام التركي التقليدي، الذي يركز على السردية الرسمية للأحداث.

