تواجه الحكومة التركية، وعلى رأسها وزارة الدفاع، موجة متصاعدة من الانتقادات والضغوط السياسية بعد مقتل 12 جنديًا نتيجة تعرضهم لاستنشاق غازات سامة داخل كهف في منطقة “متينا” شمالي العراق، أثناء تنفيذ عملية عسكرية ضمن عملية “المخلب-القفل” ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
الواقعة التي وُصفت بـ”المأساة الأمنية” فجّرت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والطبية والعسكرية، وسط مطالبات بمعرفة الحقيقة الكاملة ومحاسبة المقصرين.
تفاصيل الحادث: البحث عن رفات ضابط يتحوّل إلى كارثة جماعية
وفقًا لوزارة الدفاع التركية، كان الجنود المشاركون في العملية بصدد تمشيط الكهف بحثًا عن رفات الملازم نوري مليح بوزقورت، الذي قُتل عام 2022. وأشارت الوزارة إلى أن الجنود تعرضوا لمزيج من غاز الميثان وأول أكسيد الكربون أثناء دخولهم الكهف، ما أدى إلى مقتل 12 منهم على الفور، في حين تضرر بقية الفريق المؤلف من 19 عنصرًا.
ردود حكومية: تحقيق إداري وسط غموض وتكتم
حضر وزير الدفاع يشار غولر مراسم تشييع الجنود الستة الأوائل في مطار صلاح الدين الأيوبي العسكري قرب الحدود العراقية، وأكد أن “التحقيق سيُنفذ بأدق التفاصيل عبر لجنة إدارية”. إلا أن هذا التصريح لم يُخفّف من حدة الغضب الشعبي، لا سيما في ظل تكتم الوزارة على تفاصيل إضافية.
المعارضة تتهم بالإهمال: “كارثة يمكن تفاديها”
رئيس حزب الشعب الجمهوري (CHP) المعارض، أوزجور أوزيل، وجّه انتقادات لاذعة للجيش التركي، معتبرًا أن إرسال الجنود إلى كهف مغلق دون أي قياسات للغاز أو استخدام تقنيات غير مأهولة يُعدّ “إهمالًا فادحًا لا يمكن تبريره”، متعهدا بطلب فتح تحقيق برلماني بعد انتهاء مراسم التشييع.
أسئلة برلمانية تطالب بالإجابة
النائب المعارض نايل تشيلر تقدم بأسئلة برلمانية إلى وزير الدفاع، تشمل:
- هل أجري تقييم للمخاطر قبل المهمة؟
- هل استُخدمت أجهزة قياس الغاز؟
- هل وُزعت معدات حماية شخصية على الفريق؟
- لماذا لم تُستخدم مركبات أو طائرات دون طيار قبل دخول الكهف؟
واعتبر تشيلر أن ما حدث يستدعي “تحقيقًا يكشف ما إذا كانت هناك سلسلة من الإهمالات، لتجنّب تكرار المأساة”.
خبراء ينتقدون غياب التكنولوجيا والشفافية
علي ماهر باشارير، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، تساءل: “كيف لم تُستخدم مركبات أو طائرات مسيّرة رغم أننا رواد عالميون في هذا المجال، وفقا للمزاعم الحكومية؟ أين أقنعة الأوكسجين؟”
بدورها، أصدرت الجمعية الطبية التركية (TTB) بيانًا أعربت فيه عن تعازيها، داعية إلى نشر نتائج التحقيق للعلن، واعتبرت أن “الحق في الحياة هو أساس السلام”.
عسكريون سابقون ينتقدون: “ليس أمرًا طبيعيًا”
الجنرال المتقاعد خلدون صولمازتورك وصف الحادث بـ”غير الطبيعي”، مشيرًا إلى أن “دخول 19 جنديًا إلى كهف والتعرض الجماعي للغازات يُعد فشلًا في التخطيط وقيادة العمليات”.
كما دعا البرلمان، ممثلًا بلجنة الدفاع التي يرأسها وزير الدفاع الأسبق خلوصي أكار، إلى فتح تحقيق شامل ومستقل.
الكلفة الأخلاقية للمأساة: أرواح مقابل 1000 ليرة؟
مصطفى أوزتورك، وكيل سابق بوزارة البيئة ونائب سابق عن حزب العدالة والتنمية، قال إن كاشفات غاز الميثان تُكلف فقط حوالي 1000 ليرة تركية (نحو 30 دولارًا)، محذرًا من خطورة هذا الغاز الصامت.
النائب المستقل أوميت ديكباير اكتفى بالقول: “يُكلف الجهاز 1000 ليرة فقط… لا أريد أن أقول أكثر من ذلك، غضبي كبير.”
وتوالت الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن حياة الجنود كان يمكن إنقاذها بتكنولوجيا زهيدة الثمن.
السياق العسكري والسياسي: حرب تنتهي ومأساة تستمر
رغم إعلان حزب العمال الكردستاني مؤخرًا عن البدء بتفكيك جناحه العسكري وبدء عملية نزع السلاح، لا تزال العمليات العسكرية التركية مستمرة في شمال العراق، وتؤكد أنقرة أن الحادث لا يعود لهجوم، بل لغازات طبيعية في كهف استخدمه الحزب سابقًا كمستشفى ميداني.

