في تطور لافت يعكس تحوّلاً تدريجياً في المزاج الشعبي التركي تجاه ملف المراسيم القانونية الاستثنائية، كشف استطلاع حديث أن غالبية المواطنين باتوا يؤيدون إعادة المفصولين تعسفياً خلال فترة حالة الطوارئ إلى وظائفهم.
الاستطلاع، الذي أجرته مؤسسة “ماك” للاستشارات في ثلاثين ولاية تركية بين 18 و23 سبتمبر، شمل مقابلات مباشرة مع ثلاثة آلاف ومئتي مواطن، وقدم صورة دقيقة عن اتجاهات الرأي العام حيال أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي التركي بعد محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في عام 2016.
الأغلبية مع إعادة المفصولين… ولكن بشروط
أظهرت نتائج المسح أن نحو 65% من المشاركين يؤيدون عودة ضحايا المراسيم، التي طالت بشكل أساسي المتهمين بالانتماء إلى حركة الخدمة، إلى وظائفهم الحكومية أو إلى ممارسة أعمالهم الخاصة، في حين عبّر قرابة ثلث العينة عن رفضهم لذلك.
وبالتفصيل، أيّد نحو 41% من المشاركين عودة من بُرئت ساحتهم قضائياً فقط، بينما رأى 24% أنه ينبغي إعادة جميع المفصولين دون استثناء. أما الذين رفضوا عودة أي شخص أُقيل بمرسوم، فبلغت نسبتهم 28% فقط من المشاركين.
هذه النتائج تُظهر ارتفاعاً طفيفاً في نسبة الدعم مقارنة باستطلاع سابق أجرته مؤسسة “متروبول” عام 2022، حين بلغت نسبة المؤيدين لإعادة المفصولين إلى وظائفهم نحو 60%. ويُشير هذا التطور إلى تزايد الوعي العام بعمق المظلومية التي خلّفتها إجراءات الطوارئ التي أعلنتها الحكومة بدعوى التصدي للعسكريين الانقلابيين المزعومين، لكنها توجهت أساسا إلى أفراد المجتمع المدني مهما كانت توجهاتهم السياسية أو الفكرية.
وعي محدود… وخوف اجتماعي من الإفصاح
ورغم هذا الميل نحو التعاطف، فإن الاستطلاع أظهر أن وعي الشارع التركي بملف المراسيم ما زال محدوداً نسبياً. فقد قال ثلث المشاركين تقريباً إنهم لا يملكون معرفة كافية بملف المفصولين من وظائفهم بشكل تعسفي، بينما أشار نحو خمس المشاركين إلى أنهم يعرفون عنه معرفة جزئية فقط.
وفي حين أكد أكثر من نصف المستطلعين وجود شخص مفصول يعرفونه في محيطهم، قال نحو 78% إنهم لا يملكون أي قريب أو صديق خضع لهذه الإجراءات.
ويرى معدّو التقرير أن هذا الغياب النسبي للوعي لا يعني بالضرورة قلة عدد المتضررين، بل يرتبط بما وصفوه بـ«الخوف الاجتماعي من الوصمة»، إذ أوضح التقرير أن بعض المشاركين امتنعوا عن ذكر معرفتهم بمفصولين لأسباب تتعلق بالقلق الأمني أو الحساسيات الاجتماعية.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الظاهرة تكشف عن طبقة نفسية عميقة في المجتمع التركي، حيث تتشابك المفاهيم الأمنية مع المواقف الاجتماعية، في ظل استمرار «الفيش» غير المعلن ضد كثير من المفصولين.
العدالة الغائبة والأمل المتردد
لم يكتفِ الاستطلاع بقياس المواقف من قضية المراسيم، بل حاول أيضاً استشراف مستوى الثقة الشعبية في العدالة والمستقبل السياسي للبلاد.
ورغم استمرار الانقسام السياسي الحاد، أعرب نحو 40% من المشاركين عن أملهم في أن تصبح تركيا «أكثر عدلاً وقابلية للعيش» في المستقبل، بينما بقي ثلث آخر متردداً، في حين أبدى أكثر من ربع العينة تشاؤماً واضحاً حيال إمكانية عودة العدالة.
أما بشأن تقييم العدالة الحالية، فقد رأى نحو خُمس المشاركين أن تطبيق المراسيم كان عادلاً، مقابل أغلبية لا تزال تعتبر تلك الإجراءات تعسفية وغير دستورية.
هذا التباين يعكس، بحسب المراقبين، أن المجتمع التركي يعيش انقساماً مزدوجاً: بين الرغبة في تجاوز الماضي، والخوف من إعادة النظر في قرارات تم تبريرها باسم الأمن القومي.
المشهد السياسي والخلفية القانونية
أعادت نتائج هذا الاستطلاع فتح النقاش مجدداً حول إرث مرحلة ما بعد الانقلاب، حين أُعلنت حالة الطوارئ في 20 يوليو 2016 واستمرت لعامين، شهدت إصدار ستةٍ وثلاثين مرسوماً قانونياً.
هذه المراسيم أدّت إلى فصل أكثر من 135 ألف موظف حكومي، بينهم قضاة وأساتذة وأطباء وضباط أمن، إضافة إلى إلغاء تراخيص أكثر من 30 ألف معلم في القطاع الخاص.
ورغم انتهاء حالة الطوارئ رسمياً عام 2018، استمرت الإقالات والتدابير الإدارية عبر قرارات وزارية لاحقة، وهو ما جعل ملف المفصولين يتحول من قضية مؤقتة إلى أزمة مؤسساتية مزمنة.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات لإعادة النظر في تلك الإجراءات، خاصة بعد ظهور تقارير رسمية تُظهر أن آلاف المفصولين لم تُثبت ضدهم أي تهمة قضائية.
وتزايدت الأصوات الحقوقية المطالبة بتشكيل آلية مستقلة لإعادة الاعتبار للمفصولين، وإلغاء القيود المفروضة عليهم في مجالات العمل والتعليم والسفر.
الاستطلاع الجديد يعيد ملف المراسيم إلى واجهة النقاش الوطني، كأحد أعمق جروح ما بعد الانقلاب في تركيا. فبين وعي شعبي متزايد وإحباط متراكم من غياب العدالة، يبدو أن المجتمع التركي يقترب ببطء من إعادة قراءة تلك المرحلة المظلمة بروح أكثر نقدية وإنسانية.

