أعادت شهادة امرأة تركية كانت معتقلة على خلفية اتهامات بالانتماء إلى حركة كولن تسليط الضوء على ملف الانتهاكات الجسيمة داخل السجون ومراكز التوقيف في تركيا.
المعتقلة السابقة، في رواية تفصيلية، تحدثت عن تعرضها لسلسلة متكررة من التفتيشات العارية والانتهاكات ذات الطابع الجنسي، سواء خلال فترة احتجازها لدى الشرطة أو أثناء وجودها في السجن، في ظروف وصفتها بأنها مهينة وصادمة وتجاوزت كل المعايير القانونية والإنسانية.
المرأة أوضحت أنها قررت كسر الصمت بعد اطلاعها على توقيف أطفال من عائلات مستهدفة في حملات أمنية أخيرة، معتبرة أن ما يجري في أماكن الاحتجاز يبقى بعيداً عن أعين الرأي العام، وأن السكوت لم يعد خياراً.
التفتيش القسري والانتهاك الجسدي داخل مراكز التوقيف
بحسب الشهادة، بدأت الانتهاكات منذ لحظة الاحتجاز في ولاية غازي عنتاب، حيث أُجبرت على خلع ملابسها بالكامل داخل مساحة زجاجية مكشوفة، مرئية للأشخاص المارين في محيط مركز الشرطة. ولم تقتصر الواقعة على مرة واحدة، إذ خضعت لتفتيش مماثل في غرفة أخرى تفتقر لأي وسائل ستر، ثم أعيد إخضاعها للتفتيش مرة ثالثة بعد صدور قرار قضائي بإيداعها السجن.
عند نقلها إلى سجن غازي عنتاب من النوع المغلق، أفادت بأنها تعرضت لتفتيش داخلي قسري أجرته حارسة، رغم إبلاغها بأنها تخضع لعلاج من سرطان الرحم. هذا الإجراء، وفق روايتها، تسبب لها بنزيف حاد وحالة صدمة جسدية ونفسية.
تدهور صحي وتعامل أمني مثير للجدل
مع مرور الأسابيع، تدهورت حالتها الصحية بشكل ملحوظ، وكررت طلبها مقابلة طبيب. وعندما نُقلت أخيراً إلى أحد المستشفيات الحكومية، جرى ذلك تحت حراسة مشددة من عناصر ذكور. وأوضحت أن الطاقم الطبي طالب بفك قيود اليدين لإجراء الفحص، غير أن الحراس رفضوا في البداية، قبل أن يسمحوا بفك قيد واحد فقط بعد جدال طويل.
لاحقاً، قرر الأطباء ضرورة إجراء عملية جراحية لوقف النزيف. إلا أن إدارة السجن، بحسب الشهادة، امتنعت بداية عن نقلها في الموعد المحدد. وعندما تم نقلها أخيراً، رافقها أحد الحراس الذكور إلى غرفة العمليات ورفض مغادرتها رغم اعتراض الطاقم الطبي. وأفادت بأن النقاش استمر وهي ممددة على طاولة الجراحة، قبل أن يُعرض عليها إجراء العملية بشرط قبول وجود الحارس داخل الغرفة، وهو ما وافقت عليه تحت الضغط وانعدام الخيارات.
مضايقات متواصلة وتهديدات بالصمت
لم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد. فقد تحدثت عن حادثة أخرى أثناء نقلها إلى المستشفى، حيث وُضعت داخل مركبة مع مشتبه به جنائي ذكر، قام بمضايقتها لفظياً ووصف مشاهد عنف جنسي طوال الرحلة، دون أن يتدخل الحراس رغم شكاواها المتكررة.
وعندما أبلغت إدارة السجن بما تعرضت له، قالت إن الحراس حذروها من تقديم أي شكوى رسمية، وهددوها بتشديد ظروف احتجازها إذا واصلت الحديث عن تلك الوقائع.
حملة أمنية أوسع وسياق سياسي ممتد
تأتي هذه الشهادة في ظل استمرار الحملات الأمنية الواسعة ضد من يُتهمون بالارتباط بحركة كولن. ففي ربيع عام ألفين وخمسة وعشرين، نُفذت عملية أمنية واسعة شملت عشرات الولايات، وأسفرت عن توقيف مئات الأشخاص، غالبيتهم من طلاب الجامعات والخريجين الجدد. وُجهت إليهم اتهامات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، استناداً إلى أنشطة اعتُبرت لاحقاً من قبل حقوقيين أفعالاً اعتيادية، مثل السكن المشترك أو السفر لأغراض تعليمية، إضافة إلى شكاوى بشأن تقييد حق الوصول إلى محامين.
من السجن إلى المنفى القسري
المرأة أفادت بأنها اعتُقلت في عام ٢٠١٩، وصدر بحقها حكم بالسجن لأكثر من ست سنوات، قبل الإفراج عنها لاحقاً بانتظار البت في الطعن. ومع تصاعد مخاوفها من إعادة سجنها في حال تثبيت الحكم، قررت الفرار مع عائلتها خارج البلاد. وأوضحت أنهم عبروا نهر إيفروس باتجاه اليونان في قارب مطاطي صغير كاد أن يغرق، في رحلة محفوفة بالمخاطر انتهت بوصولهم إلى البر بصعوبة بالغة.
خلفية الملاحقات وأرقامها
منذ أواخر عام ألفين وثلاثة عشر، تصاعدت المواجهة بين السلطات التركية وحركة كولن، قبل أن تُصنف الحركة كمنظمة إرهابية لاحقاً، وتتسع حملة الملاحقات بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في صيف ألفين وستة عشر. وتؤكد الحركة باستمرار نفيها لأي تورط في أعمال عنف أو محاولات انقلابية.
ووفق معطيات رسمية حديثة، أُدين أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص بتهم مرتبطة بالحركة خلال السنوات الماضية، ولا يزال الآلاف خلف القضبان، فيما تستمر التحقيقات والإجراءات القضائية بحق عشرات الآلاف، إلى جانب موجات لجوء واسعة لأشخاص فروا خارج البلاد تفادياً للاعتقال.
خلاصة
تكشف هذه الشهادة عن بعد إنساني بالغ الخطورة في ملف الملاحقات السياسية بتركيا، حيث تتقاطع الإجراءات الأمنية مع ادعاءات خطيرة بانتهاك الكرامة الجسدية والحقوق الأساسية. ومع استمرار الحملات القضائية، تبقى هذه الروايات مؤشراً على أزمة أعمق تتجاوز الأرقام إلى مصائر فردية مثقلة بالألم والصمت القسري.

