تفجّرت في تركيا خلال الأيام الماضية فضيحة غير مسبوقة داخل أحد المباني العدلية الرئيسية في إسطنبول، بعد اختفاء كميات ضخمة من الذهب والفضة قُدّرت قيمتها بعشرات الملايين من الليرات من خزينة الأدلة في محكمة بويوك تشكمجه.
الحادثة، التي اتُّهم فيها عامل نظافة، أثارت موجة تساؤلات حول مستوى الرقابة داخل المؤسسات القضائية وآليات حفظ المضبوطات في القضايا الجنائية.
حادثة اختفاء الذهب: تفاصيل العملية وأسلوب التنفيذ
تشير التحقيقات الأولية إلى أن المشتبه به، أردال تيمورتاش، وهو عامل نظافة يعمل في محكمة بويوك تشكمجه، دخل غرفة الأدلة قبل بدء ساعات العمل الرسمية في منتصف نوفمبر مستخدماً مفتاحاً رسمياً يُفترض ألا يكون في متناول موظف من درجته الوظيفية.
تفريغ الخزائن باستخدام عربة الملفات
كاميرات المراقبة، وفق ما تم تداوله، أظهرت العامل وهو يفتح الخزائن الحديدية، ويكدّس بداخل عربة مخصّصة لنقل الملفات القضائية كميات كبيرة من الذهب والفضة، ثم يغطيها بأكياس سوداء تبدو للوهلة الأولى كمخلّفات مكتبية أو ملفات عادية.
اللافت أن أي نظام إنذار لم يُفعَّل لحظة فتح الخزائن، ما سمح بخروج العربة من المبنى دون أن يسترعي المشهد انتباه أحد.
الاكتشاف المتأخر… خلل رقابي يفتح الباب للاتهامات
لم يُكتشف الاختفاء إلا بعد أكثر من أسبوعين، عندما فتح أحد مسؤولي النيابة الخزائن في جولة تفتيش مجدولة مطلع ديسمبر، ليجدها فارغة.
طبيعة غرفة الأدلة: منظومة يفترض أن تكون محصّنة
غرف الأدلة في تركيا تُعد مناطق شديدة الحساسية، إذ تُخزَّن فيها أموال ومجوهرات ومعادن ثمينة وأسلحة ومخدرات وممتلكات مصادرة، وتخضع لعمليات تسجيل إلكترونية، وإشراف مشترك بين كتبة الأدلة والنيابة المشرفة.
غير أن إمكانية دخول عامل نظافة إلى هذه الخزائن من دون مرافقة أو إذن مباشر تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الإجراءات المعمول بها قد تم الالتزام بها أو جرى التلاعب بها من الداخل.
رحلة إلى بريطانيا بعد أيام من السرقة
تشير السجلات إلى أن تيمورتاش غادر إسطنبول مع زوجته على متن رحلة جوية من مطار صبيحة غوكتشن بعد ستة أيام من الواقعة.
وتكشف المعلومات أنه كان قد حصل على تأشيرة دخول إلى المملكة المتحدة قبل أشهر، ما يعزز فرضية التخطيط المسبق وليس مجرد استغلال عرضي لثغرة أمنية.
تركيا تسعى للملاحقة الدولية
بعد تأكد مغادرته، طلبت السلطات من وزارة العدل المبادرة إلى إصدار مذكرة توقيف دولية. غير أن تنفيذ أي عملية توقيف أو تسليم سيخضع للإجراءات القانونية في بريطانيا، إذ تملك لندن سلطة تقديرية في التعامل مع طلبات الإنتربول والطلبات القضائية الواردة من الخارج.
تطورات التحقيقات… اشتباه بشبكة داخلية
أوقفت السلطات شخصاً داخل البلاد يحمل الأحرف الأولى ك.د. على خلفية الشبهات بتقديم المساعدة أو التستر.
داخل المحكمة نفسها، تصاعدت التوترات، خصوصاً بعد انتشار تقارير تتحدث عن فتح تحقيق بحق المدعي المسؤول، ما دفعه لتقديم بلاغ ضد تلك المزاعم.
تصريحات لافتة من والدة المتهم
والدة تيمورتاش صرّحت بأن ابنها “استُخدم كواجهة” من قبل جهات أعلى رتبة، مؤكدة أنه لم يكن يعاني ضائقة مالية وأن الأسرة لم تكن على علم بمغادرته تركيا. وتساءلت عن كيفية حصوله على مفتاح الخزائن، معتبرة أن ما جرى يتجاوز قدرة موظف بهذا المستوى.
سلسلة حوادث مشابهة
الحادثة ليست معزولة، إذ سبق أن سُجلت اختفاءات لمخدرات ومجوهرات وأموال في بعض المحاكم التركية خلال الأعوام الأخيرة، ما يدفع باتجاه أن المشكلة قد تكون بنيوية تتعلق بالمنهجية الرقابية وليس حادثاً فردياً.
ثغرة بين التوقيت والاكتشاف
الفترة الزمنية بين السرقة واكتشافها تكشف وجود خلل في وتيرة التفتيش المنتظم والاستجابة المبكرة. كما تشير إلى أن إجراءات الدخول والخروج من غرف الأدلة لا تُنفَّذ بالصرامة المفترضة.
الأسئلة المفتوحة في مسار التحقيق
لا تزال السلطات تبحث عن مسار الذهب والفضة المسروقة، وما إذا كانت قد بيعت داخل تركيا قبل مغادرة المتهم، أو نُقلت إلى الخارج.
كما يجري التدقيق في احتمالات تورط موظفين آخرين داخل المحكمة، وفي هوية الأشخاص الذين قد يكونون ساعدوا على توفير المفتاح أو تعطيل أنظمة الإنذار.

