شهدت مدينة قيصري التركية لحظة مؤثرة خلال فعالية مخصصة لإحياء ذكرى أحداث 15 تموز 2016 حين واجهت فيلدان ألتونوك، زوجة الشرطي الشهيد والمفصول بمرسوم الطوارئ براق زكريا ألتونوك (32 عامًا)، وزير الدفاع التركي السابق خلوصي أكار، ووجهت له عتابًا حادًا ومؤلمًا عن الظلم الذي تعرض له زوجها، بدءًا من فصله وسجنه بتهمة الارتباط بحركة الخدمة، وصولًا إلى استشهاده أثناء الخدمة العسكرية.
في فيديو نشره موقع “بوبلد” في حسابه على إكس، قالت فيلدان بصوت يملؤه الأسى: “زوجي تم فصله من عمله، وبقي موقوفًا عن العمل 3 أشهر، ثم زُج به في السجن. وبعد خروجه، كان عليه أداء 3 أشهر و12 يومًا من الخدمة العسكرية المتبقية. ورغم صدور قانون يُعفي رجال الشرطة من الخدمة، أُجبر على الذهاب. قبل عودته بعشرة أيام فقط، استشهد في مدينة أغري“.
من الاعتقال إلى المعركة: قصة شرطي اتُهم ظلمًا واستشهد على حدود الوطن
بحسب تقرير الصحفية سيفينج أوزارسلان من موقع (TR724)، كان الشرطي براقزكريا ألتونوك قد فُصل من عمله في إسطنبول بموجب المرسوم رقم 701 الصادر في 24 ديسمبر 2017، ضمن حملة الإقالات الواسعة التي طالت آلاف الموظفين بعد محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 15 تموز 2016، بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة.
قضى ألتونوك16 شهرًا في السجن على خلفية هذه التهمة، قبل أن يصدر قرار قضائي بعدم وجود مبرر للعقوبة إثر نقض محكمة التمييز لحكمه السابق. ورغم حصوله على البراءة، طُلِب منه إتمام خدمته العسكرية، ليُرسل إلى قضاء دوغو بايزيد في ولاية أغري الحدودية، حيث تعرض في 20 أكتوبر 2019 لهجوم إرهابي أثناء أداء خدمته العسكرية، نُقل على إثره إلى المستشفى، ولفظ أنفاسه الأخيرة بعد يومين فقط.
ألتونوك من مواليد 2 يناير 1987، وكان أبًا لطفلين، وقد أنهى حياته في مواجهة مسلحة رغم كل ما مر به من إقصاء وسجن وتجريم.
مأساة تعكس مفارقة مريرة في واقع ما بعد “الطوارئ“
رغم أن القضاء التركي أسقط التهم عن ألتونوك، ورغم استشهاده في ساحة المعركة، لا تزال أسرته تعاني من التهميش. أرملته فيلدان ألتونوك، التي كانت تقف على قدميها خلال لقائها بخلوصي أكار، عبرت عن ألم مزدوج: فقدان الزوج، وظلم الحكومة التي اعتبرته يومًا “إرهابيًا”، ثم أرسلته ليُقتل دفاعًا عن ترابها.
كما قالت في شهادتها: “أثناء مناقشة إلغاء الخدمة العسكرية للشرطة، كان زوجي قد استُدعي للخدمة. ذهب مرتين. وفي المرة الثانية، وقبل أن يعود بأيام، استشهد. هل يُعقل هذا؟“
سياق سياسي وقانوني متشابك: ما بعد “قانون الطوارئ“
قصة ألتونوك تُعيد إلى الواجهة قضية الآلاف من موظفي الدولة المفصولين بمراسيم الطوارئ، التي أعلنتها الحكومة عقب محاولة الانقلاب عام 2016، بذريعة التصدي للانقلاب، حيث حُرموا من وظائفهم، وتعرض بعضهم للسجن والتشهير، قبل أن تتم تبرئة عدد كبير منهم لاحقًا من قبل المحاكم، إلا أن العبء النفسي والاجتماعي والقانوني ظلّ يلاحقهم حتى بعد البراءة.
ومع أن الحكومة تدّعي طي صفحة الطوارئ، لا تزال هذه القضايا تلقي بظلالها على المجتمع التركي، وتطرح تساؤلات ملحّة حول العدالة، والمصالحة، وحق الضحايا في الاعتراف والإنصاف.

