شهدت تركيا خلال الأسبوع الجاري سلسلة من العمليات الأمنية استهدفت مسؤولي بلديات تابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض، وذلك في إطار تحقيقات متواصلة في قضايا فساد مزعومة، أثارت موجة من الجدل حول خلفياتها السياسية وتوقيتها.
وفي أحدث تطور، أوقفت السلطات رئيس بلدية دافريك السابق، جتين بوزقورت، إلى جانب سبعة آخرين، من بينهم موظفون بلديون سابقون ومتعهدون، على خلفية شبهات تتعلق بسوء إدارة المال العام والتلاعب في المناقصات، بحسب ما أعلنه النائب عن حزب الشعب الجمهوري، دنيز يافوز يلماز، عبر منصة “إكس”. ويُعد بوزقورت، المنتمي لحزب الشعب الجمهوري، من الشخصيات المعروفة في ولاية زونغولداق شمال غرب البلاد، وكان قد تولى رئاسة البلدية حتى الانتخابات المحلية التي جرت في مارس 2024.
اتساع نطاق التحقيقات ليشمل عشرات البلديات المعارضة
بهذا التوقيف، يرتفع عدد الموقوفين ضمن العمليات الأخيرة إلى 26 شخصًا، أُوقف منهم ثمانية بقرارات قضائية رسمية. وتشمل التحقيقات، التي يقودها الادعاء العام في إسطنبول ووزارة الداخلية، اتهامات متنوعة مثل تشكيل تنظيم إجرامي والتلاعب بالعقود العامة والرشوة، وتمويل فعاليات لم تُنظم أصلًا.
ففي بلدية بيكوز التابعة لإسطنبول، تم توقيف نائب الرئيسة، فيدان غُل، يوم الأربعاء، ضمن إطار توسيع التحقيقات المرتبطة بعقود الشراء. وكانت البلدية نفسها قد شهدت في فبراير الماضي توقيف رئيسها، علاء الدين كوسيلر، و12 مسؤولًا آخر. وتتهم النيابة الموقوفين بتزوير العطاءات العامة وتشكيل شبكة فساد منظمة.
وفي حي بشكتاش بإسطنبول، الذي يدار أيضًا من قبل حزب الشعب الجمهوري، أوقفت الشرطة يوم الخميس نائب رئيس البلدية، علي رضا يلماز، إلى جانب أربعة آخرين، في إطار التحقيق ذاته. وكانت هذه البلدية قد استهدفت في يناير السابق عندما أُوقف رئيسها رضا أقبولات في قضية مشابهة، وتستمر التحقيقات تحت عنوان “الفساد المؤسسي في البلديات”.
أما في بلدية كمال باشا التابعة لمحافظة إزمير، فقد جرى توقيف خمسة أشخاص بينهم نائب رئيس البلدية، يوم 17 أبريل، على خلفية تمويل حفل موسيقي للفنانة غُلشن أُلغي لاحقًا. ووفق النيابة، تم صرف مبالغ رغم إلغاء الفعالية، ما أدى إلى خسائر في خزينة البلدية. وأُفرج عن نائب رئيس البلدية بشروط الرقابة القضائية، في حين أُودع اثنان من الموقوفين، بينهم مدير الثقافة السابق، السجن على ذمة التحقيق.
السياق السياسي: المعارضة في مرمى الضغوط
تأتي هذه العمليات الأمنية في خضم ضغوط متزايدة تمارسها السلطة التنفيذية والقضائية على حزب الشعب الجمهوري منذ أشهر، وتحديدًا بعد نجاحه اللافت في الانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في مارس 2024. إذ تمكن الحزب من الحفاظ على سيطرته على أبرز المدن الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة وإزمير، بل وانتزع رئاسة بلديات كبرى من حزب العدالة والتنمية الحاكم، فيما اعتُبر أكبر انتكاسة انتخابية يتعرض لها الرئيس رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى الحكم.
وقد حصد حزب الشعب الجمهوري نسبة 37.7٪ من أصوات الناخبين، مقابل 35.4٪ لحزب العدالة والتنمية، ليصبح بذلك القوة السياسية الأولى في البلاد لأول مرة منذ 47 عامًا. وعلى خلفية هذا التحول، تُثار مخاوف واسعة من لجوء السلطة إلى إجراءات قضائية أو أمنية تهدف إلى تقويض نفوذ المعارضة المنتخبة ديمقراطيًا، أو تشويه صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.
توقيف إمام أوغلو: لحظة مفصلية
ويُنظر إلى هذه التوقيفات ضمن سياق سياسي أوسع بدأ باعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس الماضي، بتهم تتعلق بالفساد، قبل أن يتم توقيفه رسميًا في 23 من الشهر ذاته، في خطوة تزامنت مع إعلان حزبه ترشيحه للانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في عام 2028. ويُعد إمام أوغلو أبرز خصوم أردوغان السياسيين، إذ نجح في انتزاع رئاسة بلدية إسطنبول مرتين متتاليتين (2019 و2024)، ما أكسبه شعبية كبيرة داخل البلاد وخارجها.
وقد أشعل اعتقاله أكبر موجة احتجاجات شعبية تشهدها البلاد منذ احتجاجات “حديقة غيزي” في عام 2013، امتدت من إسطنبول إلى مدن جامعية في أنقرة وأزمير، مرورًا بولايات محافظة كيوزغات، المعروفة تاريخيًا بميلها المحافظ، والتي صوتت لأردوغان بنسبة 76٪ في انتخابات 2023، إلا أن حزب العدالة والتنمية خسر رئاسة بلديتها في انتخابات مارس 2024 لصالح حزب إسلامي معارض.
الحكومة تدافع والمعارضة تتهم
وفيما تصر الحكومة التركية على أن هذه العمليات تأتي ضمن حملة لمكافحة الفساد وتحقيق النزاهة في الإنفاق العام، يرى خصومها أن القضاء قد بات أداة في يد السلطة التنفيذية لتصفية الحسابات السياسية وتكميم صوت المعارضة، لا سيما بعد فشل حزب العدالة والتنمية في استعادة زمام المبادرة في الانتخابات الأخيرة.
وقد ندد النائب عن حزب الشعب الجمهوري، دنيز يافوز يلماز، بالتوقيفات الأخيرة، معتبرًا أنها تعكس توظيف القضاء في “تصفية خصوم السلطة عبر أدوات الدولة”.
منذ أكتوبر الماضي، تم توقيف أربعة رؤساء بلديات على الأقل ينتمون لحزب الشعب الجمهوري، إلى جانب عشرات من المسؤولين البلديين، بينما أطلقت وزارة الداخلية تحقيقات رقابية في أكثر من عشرين بلدية يديرها الحزب. ويتخوف مراقبون من أن تتحول هذه الحملة إلى سابقة تهدد أسس التعددية والديمقراطية المحلية في تركيا، ما قد يزيد من الاحتقان السياسي والانقسام الاجتماعي في البلاد في المرحلة المقبلة.

