أعلنت وزارة الداخلية التركية عن توقيف اثنين وستين شخصاً في مختلف أنحاء البلاد خلال الأسبوعين الأخيرين، في إطار ما وصفته السلطات بـ”العمليات الأمنية المستمرة ضد حركة الخدمة” التي تستلهم فكر الراحل فتح الله كولن.
وذكر الوزير علي يرليكايا أن الاعتقالات نُفذت في اثنتين وثلاثين ولاية، شملت كبرى المدن مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير وقونية وأرضروم، في إطار تحقيقات متزامنة نفذتها فرق مكافحة الإرهاب.
وبحسب البيان الرسمي، تم إيداع أربعة من الموقوفين السجن بقرارات قضائية، بينما أُفرج عن أربعة آخرين بشروط الرقابة القضائية، في حين ما تزال الإجراءات مستمرة بحق الباقين.
اتهامات تتعلق بالاتصالات والدعم المالي والنشاط الرقمي
تستند التحقيقات إلى اتهامات متعددة، منها التواصل مع أفراد يُشتبه بانتمائهم إلى حركة كولن عبر الهواتف العمومية، ومشاركة منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي اعتبرتها السلطات “دعاية لتنظيم إرهابي”، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية لأسر موظفين تم فصلهم من الخدمة العامة بقرارات الطوارئ، أو لأولئك الذين سُجنوا أو أُفرج عنهم مؤخراً على خلفية اتهامات مشابهة.
تعتبر الحكومة التركية هذه الأفعال “أدلة دعم غير مباشر لتنظيم إرهابي”، بينما يرى مراقبون أنها تمثل استمراراً لنمط الملاحقات الذي شمل فئات واسعة من المجتمع التركي، من أكاديميين ومعلمين إلى موظفين وصحفيين.
خلفية الصراع: من فضائح 2013 إلى ما بعد محاولة الانقلاب
تعود جذور الأزمة بين الحكومة التركية وحركة كولن إلى ديسمبر/كانون الأول 2013، حين كشفت تحقيقات فساد واسعة طالت مسؤولين كباراً في الحكومة وأفراداً من عائلة الرئيس رجب طيب أردوغان. اعتبر أردوغان تلك التحقيقات “محاولة انقلاب قضائية” تقف خلفها حركة كولن، ومنذ ذلك الحين اتخذ الصراع بين الطرفين طابعاً سياسياً وأمنياً مفتوحاً.
في مايو/أيار 2016 صنفت أنقرة الحركة تنظيماً إرهابياً، ثم جاءت محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في يوليو/تموز من العام نفسه لتفتح الباب أمام حملة اعتقالات وفصل جماعي غير مسبوقة، اتُهمت الحركة بتدبيرها رغم نفيها المتكرر لأي صلة بها.
الأرقام تكشف عمق الملاحقات
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل التركية أن أكثر من مئة وستة وعشرين ألف شخص أُدينوا منذ عام 2016 بتهم تتعلق بالانتماء إلى حركة كولن أو دعمها، فيما لا يزال أكثر من أحد عشر ألف شخص خلف القضبان. كما تتواصل الإجراءات القضائية بحق أكثر من أربعةٍ وعشرين ألف شخص، بينما يخضع نحو ثمانيةٍ وخمسين ألفاً لتحقيقات نشطة بعد مرور ما يقرب من عقد على محاولة الانقلاب.
وبينما تؤكد الحكومة أن تلك الإجراءات ضرورية لـ”حماية الدولة من التنظيم الموازي”، تتحدث منظمات حقوقية دولية عن استمرار نمط الاعتقالات التعسفية واستعمال التهم ذات الطابع الأمني لإسكات المعارضة وتقييد المجال المدني في البلاد.
الآثار المجتمعية والإنسانية للحملة
لم تتوقف تبعات الحملة عند حدود الملاحقات القانونية، إذ اضطر آلاف الأتراك المنتمين أو المتهمين بالانتماء إلى حركة كولن إلى مغادرة البلاد خلال السنوات الماضية، في محاولة لتجنب الاعتقال أو فقدان فرص العمل. وتشير تقارير متواترة إلى أن بعضهم يواجه صعوبات قانونية في بلدان اللجوء بسبب الملاحقات القضائية التي تطلبها أنقرة عبر القنوات الدبلوماسية.
في الداخل، لا تزال تبعات قرارات الفصل التعسفي تطال عشرات الآلاف ممن حُرموا من وظائفهم ومن الحقوق المدنية الأساسية، في ظل قيود مشددة على العودة إلى العمل العام أو الحصول على جوازات سفر جديدة.
قراءة في الدلالات السياسية
تأتي هذه الموجة الجديدة من الاعتقالات في سياق سياسي يتسم بتشديد القبضة الأمنية، وسط تحديات اقتصادية داخلية وتوتر متصاعد بين السلطة والمعارضة. ويرى محللون أن استمرار ملاحقة الأفراد بتهم الانتماء إلى حركة كولن بعد قرابة عشر سنوات على محاولة الانقلاب يشير إلى أن الملف لا يزال يُستخدم كأداة ضبط سياسي داخل مؤسسات الدولة.
كما يُنظر إلى توقيت الإعلان عن هذه العمليات باعتباره محاولة من الحكومة لتأكيد حضورها الأمني في مواجهة الانتقادات الدولية المتكررة بشأن تراجع الحريات وسيادة القانون في تركيا.

