أقدمت السلطات التركية على إقالة رئيس بلدية “فان” المنتخب، عبد الله زيدان، عضو حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، مستندةً إلى تهم متعلقة بالإرهاب، وذلك في خطوة أثارت احتجاجات واسعة انتهت بتدخل أمني عنيف واعتقال 127 شخصًا، بينهم صحفيون، وفقًا لوسائل إعلام محلية.
إقالة زيدان وتعيين وصي حكومي
أعلنت وزارة الداخلية التركية، فجر السبت، تعيين والي فان، أوزان بالجي، وصيًا على البلدية، ليحل محل زيدان، بعد صدور حكم قضائي بسجنه لأكثر من ثلاث سنوات بتهمة “مساعدة منظمة إرهابية”.
جاء هذا القرار بعد أشهر فقط من فوزه برئاسة البلدية في الانتخابات المحلية التي جرت في 31 مارس 2024، حيث حصل على 55% من الأصوات متغلبًا على مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم، عبد الله أرفاس، الذي لم يحصد سوى 27%.
في أعقاب هذا القرار، اقتحمت الشرطة مقر بلدية فان عند الساعة الرابعة فجرًا، مستخدمةً الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين الذين تجمعوا للاحتجاج على الإقالة. ونتج عن هذه العملية اعتقال 127 شخصًا، بينهم ستة صحفيين، في مؤشر على تصاعد المواجهة بين السلطات والمعارضة الكردية.
استهداف متكرر لرؤساء البلديات المعارضين
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها عزل رؤساء بلديات منتخبين في تركيا، إذ تم منذ انتخابات مارس 2024 إقالة ثمانية رؤساء بلديات من الحزب الكردي إضافةً إلى رئيسي بلدية من حزب الشعب الجمهوري المعارض، وذلك على خلفية مزاعم تتعلق بالإرهاب. كما تم اعتقال رئيس بلدية آخر من حزب الشعب الجمهوري بتهمة التلاعب في المناقصات العامة.
زيدان، الذي كان نائبًا برلمانيًا عن ولاية هكّاري، اعتُقل لأول مرة عام 2016 خلال حملة استهدفت نواب حزب الشعوب الديمقراطي قبل تغيير اسمه إلى حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب. واتُّهم آنذاك بمساعدة منظمة إرهابية والترويج لحزب العمال الكردستاني المحظور، بسبب مشاركته في احتجاجات شهدتها منطقة يوكسكوفا عام 2015. وقد صدر بحقه حكم بالسجن لثماني سنوات، قضى منها أكثر من خمس سنوات خلف القضبان قبل الإفراج عنه عام 2022.
بعد انتخابه رئيسًا لبلدية فان عام 2024، حاولت السلطات في البداية إبطال فوزه ومنح المنصب لمرشح حزب العدالة والتنمية، ما أثار احتجاجات واسعة. إلا أن اللجنة العليا للانتخابات تراجعت عن القرار وأعادت زيدان إلى منصبه. ومع ذلك، استمرت الضغوط القضائية ضده حتى أُدين مجددًا، مما دفع الحكومة إلى إزاحته رسميًا هذه المرة وتعيين وصي حكومي بديلًا عنه.
ردود فعل المعارضة وإدانة دولية
وصف زيدان قرار عزله بأنه “سرقة لإرادة الشعب”، مؤكدًا أن “المتآمرين سينهزمون، والشعب سينتصر”. أما حزبه، فقد أدان بشدة تعيين مسؤول حكومي غير منتخب في رئاسة البلدية، داعيًا منظمات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة إلى التصدي لهذه الإجراءات التي وصفها بالقمعية.
من جهته، استنكر حزب الشعب الجمهوري، أبرز أحزاب المعارضة، هذه الخطوة، واعتبرها رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، دليلاً على استياء الحكومة من خسارتها للعديد من البلديات الكبرى في الانتخابات الأخيرة. وقال إمام أوغلو: “ما يحدث هو انتهاك صارخ لحق الأكراد في التصويت ويتناقض مع مزاعم الحكومة حول المصالحة السياسية”.
يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التكهنات حول إمكانية استئناف محادثات السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، حيث يُنظر إلى زعيم الحزب المعتقل، عبد الله أوجلان، على أنه سيكون طرفًا أساسيًا في أي مفاوضات مستقبلية بعد سنوات من العزلة. وبينما وصف الرئيس رجب طيب أردوغان هذه المرحلة بأنها “فرصة تاريخية”، فإن استمرار إقالة رؤساء البلديات الأكراد واستبدالهم بوصاة حكوميين يثير تساؤلات حول جدية هذه الجهود.
الانتقادات الأوروبية والمطالبات بفرض عقوبات
لم يمر هذا التصعيد دون رد فعل دولي، إذ أصدر البرلمان الأوروبي، يوم الخميس، قرارًا يدين إقالة رؤساء البلديات المعارضين، مطالبًا بفرض عقوبات على المسؤولين الأتراك المتورطين في هذه الممارسات، بما في ذلك تجميد الأصول ومنع السفر.
واعتبر نواب البرلمان الأوروبي أن تعيين الوصاة الحكوميين بدلًا من المسؤولين المنتخبين يشكل انتهاكًا واضحًا للمبادئ الديمقراطية، داعين إلى إصلاحات قضائية عاجلة لإنهاء هذه السياسة. كما حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن تكرار عزل رؤساء البلديات المنتخبين في المناطق ذات الأغلبية الكردية يقوض الديمقراطية ويحرم الناخبين الأكراد من حقوقهم السياسية.
استمرار ممارسات تعيين الوصاة وتصاعد التوتر السياسي
منذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وضعت الحكومة التركية أكثر من 100 بلدية، غالبيتها في المناطق الكردية، تحت وصاية حكومية، وسط اتهامات باستغلال تهم الإرهاب لقمع المعارضة السياسية. ومع تصاعد الضغوط الدولية، يواجه النظام التركي تحديات متزايدة في تبرير هذه الإجراءات أمام المجتمع الدولي، في وقت تستمر فيه التوترات الداخلية بين الحكومة والمعارضة، لا سيما في ظل تصاعد الغضب الشعبي في المناطق ذات الأغلبية الكردية.

