شهدت تركيا تدهورًا غير مسبوق في مؤشرات سيادة القانون منذ عام 1980، وذلك في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، وفقًا لبيانات صادرة عن “Our World in Data”. وقد أظهرت هذه البيانات تراجعًا حادًا لم تشهده البلاد حتى في ظل الانقلابات العسكرية الناجحة التي وقعت سابقًا.
مفهوم مؤشر سيادة القانون ومعاييره
يقيس مؤشر V-Dem (Varieties of Democracy) سيادة القانون بناءً على مقياس من 0 إلى 1، حيث يمثل الصفر غيابًا تامًا لسيادة القانون، بينما يشير الواحد إلى أعلى المستويات الممكنة. ويتضمن هذا المؤشر عدة معايير رئيسية، منها:
- الامتثال الحكومي للأطر القانونية (30%)
- استقلال القضاء (25%)
- شفافية التشريعات (15%)
- إمكانية الوصول إلى العدالة (15%)
- مكافحة الفساد (10%)
- حيادية البيروقراطية (5%)
ذروة سيادة القانون ثم الانحدار التدريجي
بلغت تركيا ذروتها في مؤشر سيادة القانون عام 2002، حيث سجلت 0.741، وهو أعلى مستوى لها، وذلك في ظل الإصلاحات الديمقراطية والمفاوضات الخاصة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن المؤشر بدأ في الانخفاض بعد عام 2010، إذ تراجع من 0.651 عام 2009 إلى 0.535 في 2010، ليستمر التراجع بعد ذلك.
تسارع التدهور بعد محاولة الانقلاب 2016
تفاقم التراجع بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، حيث انخفض المؤشر من 0.375 عام 2015 إلى 0.238 في 2016، ثم واصل الهبوط ليصل إلى 0.143 في 2017، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ تركيا الحديث.
مقارنة بتأثير الانقلابات السابقة
على الرغم من أن الانقلابات العسكرية السابقة تسببت في تراجع سيادة القانون، فإن التدهور الذي شهدته تركيا بعد 2016 كان أكثر حدة:
- بعد انقلاب 12 سبتمبر 1980: انخفض المؤشر من 0.612 في 1980 إلى 0.446 بين 1981-1982، لكنه بدأ في التعافي ليصل إلى 0.469 في 1983، و0.640 بحلول 1984، و0.648 في 1990.
- بعد انقلاب 28 فبراير 1997 (الانقلاب “ما بعد الحداثي”): رغم الضغط العسكري الذي أدى إلى استقالة الحكومة، ارتفع المؤشر من 0.667 في 1996 إلى 0.701 في 1997، وظل مستقرًا نسبيًا في السنوات اللاحقة.
انعكاسات محاولة الانقلاب 2016 على استقلال القضاء
تكشف البيانات عن انخفاض حاد في استقلال القضاء بعد 2016، حيث تراجع من 0.71 عام 2016 إلى 0.19 في 2022. في المقابل، لم ينخفض هذا المؤشر إلى أقل من 0.41 حتى في ظل انقلاب 1980.
يرجع هذا التدهور إلى حملات التطهير الواسعة التي أعقبت محاولة الانقلاب، حيث تم فصل أكثر من 4,362 قاضيًا ومدعيًا عامًا، مع فتح تحقيقات ضد نحو 4,370 من العاملين في السلك القضائي، والتعديلات الدستورية لعام 2017 التي غيرت النظام السياسي التركي من برلماني إلى رئاسي، مما زاد من تركيز السلطات بيد الرئيس وأضعف التوازنات المؤسسية.
التعديلات الدستورية وتأثيرها على سيادة القانون
تم اعتماد التعديلات الدستورية لعام 2017 عبر استفتاء شعبي، وأبرز التغييرات التي أدخلتها:
- إلغاء منصب رئيس الوزراء وتركيز السلطة التنفيذية بيد الرئيس.
- منح الرئيس صلاحيات مباشرة في تعيين الوزراء والقضاة، مما زاد من تأثير السلطة التنفيذية على النظام القضائي.
- إعادة هيكلة المجلس الأعلى للقضاء (HSK)، بحيث أصبح الرئيس يعين 4 من أعضائه الـ13، بينما يعين البرلمان الـ7 الباقين، مما حدَّ من استقلالية القضاء.
- إلغاء شرط حيادية الرئيس سياسيًا، وجعل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية متزامنة كل 5 سنوات، مما قلل من فرص الرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية.
مخاوف دولية من تآكل سيادة القانون
أعربت المنظمات الدولية عن قلقها من تراجع استقلال القضاء في تركيا منذ 2016، ومن بينها المفوضية الأوروبية ولجنة البندقية اللتان سلطتا الضوء على تدخلات السلطة التنفيذية في القضاء، والمقرر الخاص للأمم المتحدة لاستقلال القضاء الذي أشار إلى وجود تدخل سياسي ممنهج، ومنظمة “فريدوم هاوس” التي صنفت تركيا ضمن الدول العشر الأكثر تراجعًا في الحريات عالميًا.
تسجيل مستويات قياسية من التراجع
وصل مؤشر سيادة القانون في تركيا إلى مستويات متدنية غير مسبوقة بعد 2016:
- 138 في 2018
- 140 في 2019
- 134 في 2020 (أدنى مستوى مسجل)
- تحسن طفيف في السنوات اللاحقة: 0.142 (2021)، 0.137 (2022)، 0.143 (2023)، وأخيرًا 0.180 في 2024.
ومع ذلك، لا يزال هذا الرقم يمثل انخفاضًا بنسبة 82% عن ذروة المؤشر في 2002.
تظهر البيانات أن استجابة الحكومة لمحاولة الانقلاب 2016 تسببت في انهيار سيادة القانون إلى مستويات غير مسبوقة، مقارنةً حتى بالانقلابات العسكرية السابقة. ويرجع هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل، أبرزها حملات التطهير الواسعة، وضعف استقلال القضاء، والتعديلات الدستورية التي كرست سلطات تنفيذية واسعة بيد الرئيس. كما أن المنظمات الدولية لا تزال تبدي قلقها بشأن استمرار هذا التراجع رغم التحسن الطفيف في المؤشرات خلال السنوات الأخيرة.

