في واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في تركيا الحديثة، يواجه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو اتهامات جنائية قد تصل عقوبتها إلى أكثر من ألفي عام من السجن، في قضية ترى المعارضة أنها محاولة لتصفية أبرز خصوم الرئيس رجب طيب أردوغان قبل انتخابات 2028.
إمام أوغلو في قلب العاصفة القضائية
أحالت النيابة العامة في إسطنبول لائحة اتهام مطولة ضد رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو، وصفتها الأوساط السياسية بأنها الأوسع والأخطر في تاريخ القضاء التركي الحديث. اللائحة، التي تجاوزت أربعة آلاف صفحة، تتهم إمام أوغلو بقيادة شبكة إجرامية متعددة المستويات تضم مئات الأشخاص داخل بلدية إسطنبول وشركاتها، وتطالبه بعقوبة قد تصل إلى2430 عامًا من السجن.
التحقيق الذي بدأ منذ أشهر شمل أكثر من400 مشتبه به، من بينهم مسؤولون بارزون في البلدية، وتركّز على تهم تشمل الفساد المالي، وغسل الأموال، وتبييض العائدات، واستغلال النفوذ، وتزوير المناقصات، والابتزاز.
النيابة وصفت إمام أوغلو بأنه “المؤسس والقائد” لما سمّته “منظمة بلدية” تتفرع أذرعها عبر مؤسسات المدينة وشركاتها العامة، مستخدمة تعبيرًا مجازيًا مألوفًا في خطاب الرئيس أردوغان: “إمبراطورية أخطبوطية تتحكم في مفاصل الإدارة“.
الخصم السياسي الأخطر لأردوغان
تأتي هذه التطورات بينما يُنظر إلى إمام أوغلو بوصفه أبرز منافس محتمل للرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028. فالرجل الذي فاز مرتين في انتخابات بلدية إسطنبول رغم الضغوط، عامي 2019 و2024، بات رمزًا لصعود المعارضة المدنية في مواجهة منظومة الحكم.
إمام أوغلو، الذي يترشح باسم حزب الشعب الجمهوري، نفى بشدة جميع الاتهامات، مؤكّدًا أن الملف القضائي لا يتجاوز كونه محاولة سياسية لتشويه سمعته ومنعه من الترشح للرئاسة.
وأعادت القضية إلى الأذهان ملفات سابقة استُخدمت فيها المحاكم لإقصاء شخصيات معارضة، أبرزها ما تعرض له قادة حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي في السنوات الأخيرة، وهو ما يراه مراقبون استمرارًا لتسليح القضاء في الصراع السياسي الداخلي.
رد المعارضة: “الجريمة الوحيدة هي منافسة أردوغان“
بالتزامن مع إعلان تفاصيل لائحة الاتهام، صعّد زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، لهجته ضد الحكومة، معتبرًا أن القضية تمثل “اضطهادًا سياسيا مبرمجًا“.
وخلال خطابه أمام الكتلة البرلمانية لحزبه، تساءل أوزيل بنبرة استنكارية: “هل يمكن لإنسان أن يكون في آن واحد محتالًا، ولصًا، وجاسوسًا، ومزورًا للانتخابات؟“ مضيفًا أن توجيه هذه التهم المتناقضة في آن واحد يكشف نية التغطية على “جريمة واحدة حقيقية: أن إمام أوغلو هو المرشح القادم لرئاسة الجمهورية“.
أوزيل اتهم الحكومة بتقويض استقلال القضاء وتحويله إلى أداة لإسكات المعارضين، محذرًا من أن استمرار هذا النهج سيقود البلاد إلى مرحلة “لا يبقى فيها قضاء يدافع عن أحد“.
وفي بيان لاحق عبر منصة X، وصف الاتهامات بأنها “تدخل سياسي فاضح”، مؤكّدًا أن الهدف الحقيقي هو منع إمام أوغلو وحزبه من التقدم بعد فوزهم الساحق في انتخابات 2024 المحلية، التي شهدت أسوأ أداء انتخابي لحزب العدالة والتنمية منذ عام 2002.
من الشارع إلى السجن: مشهد احتجاجي يعيد صدى “غزي بارك“
اعتقال إمام أوغلو في مارس الماضي أثار ردود فعل غاضبة في مختلف المدن التركية، حيث خرجت مظاهرات واسعة النطاق دعمًا له، في مشهد وصفه المراقبون بأنه الأوسع منذ احتجاجات غيزي بارك عام 2013.
الاحتجاجات لم تقتصر على أنصار حزب الشعب الجمهوري، بل شارك فيها طيف واسع من المعارضين، الذين رأوا في توقيفه رسالة تحذير موجهة لكل من يسعى إلى كسر هيمنة السلطة الحاكمة.
وتحدثت منظمات حقوقية عن “تآكل استقلال القضاء التركي”، مشيرة إلى أن ملاحقة إمام أوغلو تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات التي استهدفت شخصيات معارضة، وصحفيين، وأكاديميين، تحت ذرائع أمنية أو مالية.
ملف يتجاوز إمام أوغلو: القضاء والسياسة في تركيا الجديدة
القضية، بحسب مراقبين، تتجاوز شخص إمام أوغلو لتكشف عن تحول بنيوي في العلاقة بين القضاء والسياسة في تركيا. ففي الوقت الذي تصر فيه الحكومة على أن المحاكمة “قانونية بحتة”، ترى المعارضة والمجتمع الدولي فيها خطوة متقدمة نحو إلغاء آخر مساحات التعددية السياسية في البلاد.
الاتهامات الموجهة لإمام أوغلو جاءت في وقت حساس، إذ تعيش تركيا وضعًا اقتصاديًا صعبًا، وتزايدًا في انتقادات الغرب لملف حقوق الإنسان، إضافة إلى الجدل الداخلي حول مستقبل التحالفات الحزبية بعد الانتخابات المحلية الأخيرة التي قلبت موازين القوى بين الحزبين الكبيرين.
وفي ظل هذا المناخ، يبدو أن معركة إمام أوغلو لم تعد مجرد نزاع قانوني، بل اختبار شامل لحدود استقلال القضاء، ومتانة النظام السياسي التركي، وإمكان تجدد المعارضة الديمقراطية.
بين السياسة والقضاء… معركة مفتوحة حتى 2028
بينما ينتظر أن تبدأ جلسات المحاكمة خلال الأسابيع المقبلة، يتابع الرأي العام التركي بقلق ما يعتبره كثيرون أخطر مواجهة بين السلطة والمعارضة منذ عقدين.
فالقضية، رغم طابعها القضائي، تُقرأ سياسيًا كجزء من معركة تمهّد لمسرح انتخابات 2028.
وفي بلدٍ لا تزال فيه الذاكرة الجمعية مثقلة بتجارب الإقصاء والانقسامات، تبدو قضية إمام أوغلو تجسيدًا جديدًا لصراع قديم بين السلطة والمعارضة، بين مركز القرار وأطراف المدينة، بين العدالة كقانون والعدالة كقيمة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل سيسمح القضاء التركي بأن تُحسم المعركة داخل صناديق الاقتراع، أم داخل جدران المحكمة؟

