في مشهد يعيد رسم ملامح العلاقات الإقليمية والدولية، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في زيارة تعد الأولى من نوعها لرئيس سوري إلى واشنطن.
وجاء اللقاء في ختام عام حافل بالتغيرات الجذرية التي شهدتها الساحة السورية، بعد أن تمكن الشرع، الذي كان إلى وقت قريب أحد قادة المعارضة المسلحة، من إنهاء حكم عائلة الأسد المستمر لعقود، واضعاً بلاده على مسار جديد من التحول السياسي والانفتاح الدولي.
توافق سياسي ورسائل متبادلة
أكد الرئيس ترامب في تصريحات للصحافيين أنه «على وفاق تام» مع الرئيس الشرع، معرباً عن ثقته في قدرته على قيادة بلاده خلال المرحلة المقبلة. ووصف ترامب اللقاء بأنه مثمر ومهم لتصحيح مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق، مشيراً إلى أن ما تحقق في الملف السوري خلال الأشهر الأخيرة يمثل «تقدماً كبيراً».
من جانبها، أعلنت الرئاسة السورية أن المباحثات تناولت سبل تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية. وشارك في جلسة المباحثات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره الأميركي ماركو روبيو، حيث تم التطرق إلى قضايا إقليمية ذات اهتمام مشترك، وسط تأكيد متبادل على دعم وحدة الأراضي السورية وإعادة إعمارها وتهيئة المناخ لنهضتها المستقبلية.
اتفاقات أمنية وتنسيق إقليمي
في سياق متصل، أعلنت الخارجية السورية أن واشنطن جددت دعمها للتوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، في خطوة وُصفت بأنها تمثل بداية تحول استراتيجي في توازنات المنطقة. وتم بحث هذا الملف خلال اجتماع ثلاثي جمع وزراء خارجية الولايات المتحدة وسوريا وتركيا، على هامش الزيارة الرئاسية لواشنطن.
وتأتي هذه التحركات بعد أول لقاء جمع ترامب والشرع في الرياض قبل ستة أشهر، بوساطة سعودية. حينها أعلن الرئيس الأميركي نيته رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في مؤشر على توجه واشنطن نحو إعادة إدماج دمشق في المنظومة الدولية.
تعليق العمل بقانون قيصر… وبوادر انفتاح اقتصادي
أفاد مسؤول أميركي بأن إدارة ترامب تستعد لتعليق العمل بقانون قيصر لمدة مئة وثمانين يوماً، في خطوة تمهد لإلغائه نهائياً خلال المرحلة المقبلة. وتعتزم الإدارة حث الكونغرس على المضي في هذا الاتجاه لتمكين الاقتصاد السوري من التعافي وتشجيع الشركات الأميركية والإقليمية على العودة إلى السوق السورية.
وأوضح المسؤول أن وزارات الخزانة والخارجية والتجارة ستصدر إعلاناً مشتركاً لتوضيح الإجراءات الجديدة وتخفيف القيود الاقتصادية، مع السماح بإعادة فتح السفارة السورية في واشنطن. وتأتي هذه الخطوات ضمن رؤية أميركية جديدة تقوم على دعم جهود مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني المشترك.
كما أشار المسؤول إلى أن سوريا ستعلن انضمامها رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم «داعش»، بما يعزز التعاون العسكري والاستخباراتي مع الولايات المتحدة في مواجهة التنظيمات المتطرفة ووقف تدفق المقاتلين الأجانب.
تحولات جذرية في السياسة الخارجية السورية
منذ تولي أحمد الشرع الرئاسة أواخر العام الماضي، اتخذت السياسة الخارجية السورية مساراً جديداً بعيداً عن المحور الإيراني – الروسي الذي ارتبطت به دمشق لسنوات طويلة. وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تسعى لترسيخ وجود عسكري محدود في إحدى القواعد الجوية بدمشق، بالتوازي مع جهودها لرعاية اتفاق أمني مع إسرائيل يضمن استقرار الحدود واستئناف التفاوض حول ملفات إقليمية معلقة.
هذه التحولات تزامنت مع رفع اسم الرئيس السوري من قوائم الإرهاب الأميركية، ما يعكس تحولاً في المقاربة الغربية تجاه الحكومة السورية الجديدة. كما يُتوقع أن يسهم رفع العقوبات في إنعاش الاقتصاد السوري الذي تضرر بشدة على مدار أكثر من عقد من الحرب. وتقدّر المؤسسات الدولية أن إعادة إعمار البلاد ستتطلب استثمارات تتجاوز مئتي مليار دولار.
تحديات الداخل السوري بعد إسقاط الأسد
رغم هذا الزخم الدبلوماسي، لا تزال الساحة الداخلية السورية تواجه تحديات معقدة، إذ أدت أعمال العنف التي تلت سقوط نظام الأسد إلى مقتل الآلاف وتهديد تماسك النسيج الاجتماعي في البلاد. ويؤكد مراقبون أن نجاح الحكومة الجديدة في توحيد السوريين وبناء مؤسسات الدولة سيظل اختباراً حاسماً لمستقبل البلاد في مرحلة ما بعد الحرب.

