في خطوة أثارت موجة من الانتقادات الحادة، قرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تأجيل إضراب كان من المزمع تنفيذه من قبل عمال المناجم في مؤسسة “إيتي معدن” الحكومية، بذريعة الحفاظ على الأمن القومي، ما أثار جدلاً قانونياً وسياسياً واسعاً بشأن مدى دستورية القرار ومدى احترام الحكومة لحقوق العمل والتنظيم النقابي في البلاد.
قرار رئاسي مثير للجدل بذريعة الأمن القومي
قرار التأجيل نشرته يوم الخميس الجريدة الرسمية، حاملا توقيع الرئيس أردوغان، استناداً إلى المادة 63 من قانون النقابات والمفاوضات الجماعية، والتي تتيح تأجيل الإضرابات لمدة 60 يوماً إذا تبيّن أنها “قد تُخل بالأمن القومي”.
القرار جاء قبيل انطلاق الإضراب المخطط له في الأول من آب/أغسطس، والذي كان سيشمل أربعة مواقع تابعة لمؤسسة “إيتي معدن” في أنقرة، وباليكسير، وإسكيشهير، وكوتاهيا، بمشاركة نحو 2100 عامل.
خلفية الإضراب: أزمة مفاوضات الأجور في القطاع العام
يأتي الإضراب ضمن سلسلة احتجاجات أطلقتها نقابة عمال المناجم، المنضوية تحت مظلة اتحاد نقابات العمال الأتراك “توركيش”، وذلك بعد فشل المفاوضات الجماعية مع الحكومة التي عُقدت مؤخراً وشملت نحو 600 ألف موظف في القطاع العام.
الحكومة عرضت زيادات في الأجور بنسبة 24% للنصف الأول من عام 2025، و11% للنصف الثاني، في حين اقترحت زيادات قدرها 10% و6% للنصفين الأول والثاني من عام 2026، على التوالي. غير أن العرض رُفض من قبل الاتحاد العمالي باعتباره “غير واقعي” في ظل التضخم المتصاعد وتدهور القوة الشرائية، مما دفع النقابات لإعلان إضرابات متفرقة في عدد من القطاعات، كان إضراب “إيتي معدن” أولها.
النقابة: قرار التأجيل مصادرة لحق دستوري
نقابة عمال المناجم أصدرت بياناً شديد اللهجة عبّرت فيه عن رفضها القاطع للقرار، واعتبرته “مصادرة فعلية لحق الإضراب المنصوص عليه في الدستور التركي”.
وقال البيان: “نُواجه مرة أخرى قراراً يُنكر عملنا وحقوقنا ومعيشتنا التي كسبناها بعرق جبيننا. إن قرار تأجيل الإضراب يمثل إلغاءً فعلياً لحقنا الدستوري في الإضراب”.
وأكّد البيان أن عمّال المناجم “يخاطرون بحياتهم في عمق الأرض” وأن محاولة إسكاتهم بهذا الشكل “غير مقبولة على الإطلاق”.
المعارضة القانونية والسياسية: انتهاك صريح للدستور
القرار الرئاسي لم يمرّ بصمت، حيث توالت ردود الفعل المعارضة من قوى سياسية ومؤسسات قانونية بارزة. النائب في حزب الشعب الجمهوري علي ماهر باشارير، وصف القرار بأنه “حظر صريح للإضراب وليس مجرد تأجيل”، مضيفاً على منصةإكس: “ما تم تأجيله ليس الإضراب، بل مبدأ سيادة القانون”.
وفي السياق ذاته، ندّد رئيس اتحاد نقابات المحامين الأتراك، أرينتش صاقان، بالقرار، مؤكداً أنه يشكّل انتهاكاً للمادة 51 من الدستور، التي تكفل حرية تأسيس النقابات والعمل النقابي.
صاقان ذكّر بقرارات سابقة للمحكمة الدستورية، لا سيما حكمها في قضية “كريستال-إيش” عام 2015، والذي قضى بأن “التهديد بالأمن القومي لا يمكن استخدامه كذريعة لتأجيل الإضرابات ما لم يتم تقديم مبررات ملموسة”، وهو ما كررته المحكمة لاحقاً في قضية “بيرليشيك ميتال-إيش”.
وأضاف صاقان أن الحكومة تجاهلت هذه الأحكام، وأقدمت على تأجيل 14 إضراباً منذ ذلك الحين، جميعها دون تقديم مبررات واضحة، واصفاً هذا النمط بأنه “انتهاك صارخ لحقوق دستورية”.
سجل الحكومة: 22 تأجيلاً للإضرابات منذ 2002
بحسب تقارير محلية، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان قامت بتأجيل 22 إضراباً منذ وصولها إلى السلطة عام 2002، مستندة إلى مبررات مثل الأمن القومي، والصحة العامة، والاستقرار الاقتصادي والخدمات الحضرية. وقد أثار هذا التوجه المستمر انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والنقابات، التي ترى فيه “تقويضاً منهجياً” لحق الإضراب وتضييقاً على الحريات النقابية في تركيا.
الإطار القانوني والدستوري لحق الإضراب في تركيا
ينص الدستور التركي، وتحديداً في المادة 54، على أن “للعاملين الحق في الإضراب في حال نشوء نزاع جماعي أثناء مفاوضات عقد جماعي”. ورغم هذا النص الصريح، تكررت حالات تأجيل أو منع الإضرابات بموجب قوانين فرعية وتفسيرات حكومية مثيرة للجدل، ما يعكس تناقضاً بين النصوص الدستورية والممارسات التنفيذية.

