أعاد تأكيد قضائي جديد من ستراسبورغ قضية الزعيم الكردي المسجون في تركيا صلاح الدين دميرتاش إلى الواجهة، وفتح نقاشاً واسعاً حول سيادة القانون في البلاد.
حسم قضائي نهائي: رفض الطعن التركي وتثبيت الحكم السابق
أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قراراً نهائياً برفض الطعن الذي تقدمت به الحكومة التركية ضد حكمها السابق المتعلق بزعيم حزب الشعوب الديمقراطي السابق صلاح الدين دميرتاش، لتؤكد بذلك أن احتجازه يشكّل انتهاكاً صارخاً للحقوق السياسية والمدنية.
وبذلك يدخل القرار حيّز التنفيذ الكامل بعد مرور أربعة أشهر على صدور الحكم الأول في يوليو 2025، الذي نصّ بوضوح على أن استمرار احتجاز دميرتاش جاء بدوافع سياسية وليس قضائية، وأن على أنقرة إطلاق سراحه فوراً.
قرار المحكمة جاء بعد أن تقدمت أنقرة في أكتوبر الماضي بطلب لإعادة النظر أمام الهيئة الموسعة، لكن الهيئة القضائية رفضت المراجعة بالإجماع، لتغلق بذلك الباب أمام أي مسار استئنافي جديد.
مضمون القرار الأوروبي: انتهاك واضح للعدالة واستقلال القضاء
المحكمة الأوروبية رأت أن بقاء دميرتاش رهن الاعتقال يشكّل خرقاً للمادتين الخامسة والعاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أي الحق في الحرية والتعبير، مؤكدة أن استخدام القضاء لتقييد النشاط السياسي المعارض يخالف جوهر المبادئ الديمقراطية.
كما شددت المحكمة على أن التهم الموجهة لدميرتاش في سياق ما يعرف بـ”قضية كوباني” لم تستند إلى أدلة قاطعة، بل جاءت ضمن إطار سياسي يهدف إلى تقييد المعارضة الكردية وتفكيك قوتها الانتخابية.
موقف الحزب الكردي: دعوة فورية للإفراج
عقب صدور القرار، أصدر حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب المؤيد للأكراد بياناً رسمياً دعا فيه الحكومة التركية إلى تنفيذ الحكم دون مماطلة، مشيراً إلى أن المحكمة الأوروبية أكدت للمرة الثانية على أن استمرار احتجاز دميرتاش يفتقر لأي مبرر قانوني.
وأضاف الحزب أن محاولة الحكومة كسب الوقت عبر الطعن في القرار لم تفلح، وأن أنقرة باتت الآن ملزمة بتنفيذ الالتزامات الدولية الموقّعة عليها بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وجاء في البيان أن القضية لم تعد تخص شخص دميرتاش فحسب، بل تمثّل معياراً لمستوى التزام الدولة التركية بسيادة القانون واستقلال القضاء، خاصة في ظل اتساع الهوة بين أنقرة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي في ملفات الديمقراطية والحقوق.
الانعكاسات السياسية والقانونية: ضغط دولي متزايد على أنقرة
يثير القرار الأوروبي الأخير تداعيات داخلية حساسة على المشهد التركي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات البلدية المقررة العام المقبل، حيث يشكّل دميرتاش رمزاً مؤثراً في القاعدة الكردية التي تعد عاملاً حاسماً في التوازنات الانتخابية.
كما أن رفض المحكمة الأوروبية لطعن أنقرة يضع الحكومة أمام مأزق مزدوج: من جهة يُطالبها الداخل بتنفيذ الحكم، ومن جهة أخرى تراقب العواصم الأوروبية مدى التزامها بأحكام المحكمة التي تُعد ملزمة قانوناً لجميع الدول الأعضاء في مجلس أوروبا.
ويشير مراقبون إلى أن أي تجاهل جديد لأحكام المحكمة قد يؤدي إلى تفاقم التوتر بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، ما قد ينعكس سلباً على ملفات التعاون الاقتصادي والهجرة والاتفاقات الأمنية المشتركة.
بين معركة القانون وصراع السلطة
قضية دميرتاش لم تعد مجرد ملف قضائي بل تحولت إلى اختبار لمفهوم الدولة القانونية في تركيا. فالحكومة التي تبرر احتجازه بذريعة الأمن القومي تجد نفسها اليوم أمام حكم نهائي لا يقبل التأويل، يطالبها بالإفراج عن أحد أبرز رموز المعارضة الكردية، في وقت تتصاعد فيه التوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
في المقابل، يرى مراقبون أن أنقرة تحاول الموازنة بين التزاماتها الدولية ومتطلبات سياستها الداخلية، لكن الإصرار على تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية قد يضعها في عزلة سياسية جديدة، ويضعف قدرتها على المناورة في ملفات إقليمية معقّدة.

