في حكم يعكس تصاعد القلق الأوروبي بشأن تدهور حقوق الإنسان في تركيا، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أنقرة بسبب منعها غير المبرر لسجين من إرسال رسالة شخصية إلى خطيبته، معتبرةً ذلك انتهاكًا واضحًا لحقه في الحياة الخاصة والعائلية، المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
القضية تكشف عن عمق التوترات بين ضرورات الأمن وسلطة الدولة من جهة، وحقوق الأفراد الأساسية من جهة أخرى، في مناخ مشحون بالتضييقات عقب محاولة الانقلاب عام 2016.
وقائع القضية: رسالة شخصية تتحول إلى قضية حقوقية
تعود القضية إلى عام 2018، عندما منعت سلطات السجن التركية النزيل إمره أويغونمن إرسال رسالة مكوّنة من عشر صفحات إلى خطيبته. الرسالة كانت شخصية بطبيعتها، إلا أن مسؤولي السجن اعترضوا على فقرة واحدة فقط، دون أن يقدموا بديلاً أقل تقييدًا، مثل الحجب الجزئي أو التنقيح، ما أدى إلى حجب الرسالة بالكامل.
وقد حكمت المحكمة الأوروبية، ومقرها ستراسبورغ، بأن هذا القرار لم يكن متناسبًا مع طبيعة المحتوى ولا مع حق أويغون في التواصل مع خطيبته، خاصة في ظل القيود المفروضة عليه فيما يتعلق بالزيارة والمكالمات الهاتفية، بموجب قوانين الطوارئ التركية.
المحكمة: تبريرات أنقرة غير كافية وتفتقر للتناسب
أكدت المحكمة أن السلطات التركية لم توازن بشكل ملائم بين متطلبات الأمن وحقوق السجين، مضيفة أن الأسباب المقدمة قد تبدو “ذات صلة”، لكنها “ليست كافية” لتبرير منع الرسالة بالكامل.
وأضافت المحكمة: “السلطات لم تفكر في أي بدائل أقل تقييدًا، مثل حجب الفقرة الإشكالية فقط، وقررت ببساطة حجب الرسالة بكاملها، وهو أمر غير متناسب مع الموقف“.
وأشارت المحكمة إلى أن الانتهاك يقع ضمن أحكام المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية، التي تضمن الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية والمراسلات.
السياق السياسي: مناهضة جماعية لحركة كولن
تمت محاكمة أويغون في 2017 وحُكم عليه بالسجن أكثر من ست سنوات بتهمة الانتماء إلى حركة كولن/حركة الخدمة، في إطار حملة ممنهجة أطلقها الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2013 ضد الحركة بعدما زعم أن الحركة استهدفته من خلال توظيف تحقيقات فساد قضائية طالت أفرادًا من دائرته المقربة.
وفي مايو 2016، صنّفت أنقرة الحركة كتنظيم إرهابي، وتصاعدت الحملة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من نفس العام، والتي اتهمت الحكومة كولن بتدبيرها – وهي تهمة تنفيها الحركة بشكل قاطع.
الإجراءات الاستثنائية: طوارئ أفضت إلى تطهير مؤسساتي شامل
أعلنت الحكومة التركية حالة الطوارئ عقب المحاولة الانقلابية، وشرعت في حملة تطهير شملت مؤسسات الدولة كافة، حيث تم فصل أكثر من 130 ألف موظف حكومي، من بينهم أكثر من 4,100 قاضٍ ونيابة، إضافة إلى أكثر من 24,000 فرد من القوات المسلحة، بموجب مراسيم طوارئ لا تخضع لأي رقابة قضائية أو برلمانية.
في هذا الإطار، شددت المحكمة الأوروبية على أن أويغون كان يعاني أصلًا من قيود على وسائله الأخرى للتواصل، ما يجعل منعه من إرسال رسالة مكتوبة انتهاكًا مضاعفًا وغير مبرر.
الحكم دون تعويضات: الإدانة الرمزية كافية
رغم إقرار المحكمة بحدوث انتهاك، إلا أنها لم تُصدر حكمًا بتعويض مادي، معتبرة أن صدور الحكم نفسه يُشكّل اعترافًا كافيًا بالضرر المعنوي الذي لحق بأويغون.

