وافق البرلمان التركي على تمديد التفويض الممنوح للجيش بتنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود في كل من العراق وسوريا لمدة ثلاث سنوات إضافية، إلى جانب تجديد مشاركة تركيا في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان لمدة عامين آخرين.
ويمنح التفويض، الذي أُقر للمرة الأولى في الثاني من أكتوبر عام 2014، القوات المسلحة التركية صلاحية تنفيذ عمليات ضد التنظيمات التي تعتبرها أنقرة تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
توازنات داخلية وانقسام برلماني حول القرار
حظي القرار بدعم نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية، إلى جانب حزب الجيد القومي المعارض وحزب المسار الجديد، فيما عارضه كل من حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة، وحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي.
ويستند نص القرار إلى استمرار التهديدات الصادرة عن حزب العمال الكردستاني(PKK) المصنَّف كتنظيم إرهابي في تركيا، وكذلك عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إضافة إلى الجماعات الكردية المسلحة في شمال سوريا مثل حزب الاتحاد الديمقراطي(PYD) ووحدات حماية الشعب، التي تتهمها أنقرة باتباع “أجندة انفصالية” ورفض الاندماج مع الحكومة المركزية في دمشق.
كما أشار النص إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة بمكافحة الإرهاب وحماية وحدة أراضي العراق وسوريا، ومنها القرارات 2170 و2178 و2249 و2254.
الاعتراضات: مخاوف من التورط الإقليمي وتراجع المسار السياسي
اعترض نواب المعارضة على التمديد الطويل للتفويض، معتبرين أنه يكرّس عسكرة السياسة الخارجية التركية ويمدّ في أمد الانخراط العسكري في نزاعات معقدة إقليمياً.
وقال النائب عن حزب الشعب الجمهوري نامق تان إن حزبه يعارض ليس فقط المدة الزمنية بل أيضاً نهج الحكومة في إدارة الملفين العراقي والسوري، متسائلاً عن جدوى استمرار الانتشار العسكري في ظل وجود مبادرات سياسية تتحدث عن مفاوضات سلام مع حزب العمال الكردستاني، وتشكيل لجنة جديدة للحوار الوطني تشمل قضايا متعلقة بزعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان في سجن إمرالي.
ومن جانبه، رأى النائب عن الحزب الكردي جينغيز جيجيك أن هذا التفويض يقوض فرص التسوية السياسية داخل تركيا ومع الجوار السوري، محذراً من أن استمرار العمليات قد يجر البلاد إلى تعقيدات أعمق في صراعات المنطقة.
موقف الحكومة: حماية الحدود أولوية استراتيجية
في المقابل، دافع النائب عن حزب العدالة والتنمية فؤاد أوقطاي عن قرار التمديد، مؤكداً أنه ضروري لضمان أمن الحدود التركية ومواجهة التنظيمات التي تسيطر على مناطق غنية بالموارد في شمال سوريا بدعم خارجي، مشيراً إلى أن هذه القوى، في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية، تعرقل جهود تحقيق الاستقرار الدائم وترفض الاندماج مع دمشق”، ما يجعل التحرك العسكري التركي مستمراً في إطار “دفاع مشروع عن الأمن القومي“.
تجديد المشاركة في بعثة الأمم المتحدة بلبنان
في خطوة موازية، صوّت البرلمان لصالح تمديد مشاركة القوات التركية ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعامين إضافيين.
وشمل هذا القرار إجماعاً أوسع، إذ دعمه حزب الشعب الجمهوري إلى جانب الأحزاب الحاكمة، بينما امتنع حزب الأكراد عن التصويت.
ويشير القرار إلى أن ولاية اليونيفيل الحالية تمتد حتى نهاية عام 2026، مع خطة انسحاب تدريجي حتى عام 2027، وفق قرار مجلس الأمن رقم 2790.
تعمل اليونيفيل في جنوب لبنان منذ عام 1978 لمراقبة انسحاب القوات الإسرائيلية، والحفاظ على الأمن على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، ودعم الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها. وتشارك تركيا في هذه القوة منذ عام 2006 عبر وحدات برية وبحرية، ضمن التزامها بالمساهمات الدولية لحفظ السلام.
سياقات إقليمية ودلالات استراتيجية
يأتي قرار التمديد في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات أمنية معقدة، لا سيما مع تصاعد التوترات في شمال سوريا وتكثيف الغارات التركية على مواقع يُعتقد أنها تابعة لحزب العمال الكردستاني، إلى جانب استمرار الغموض بشأن مستقبل الوجود الأميركي والروسي في البلاد.
كما يعكس القرار، وفق مراقبين، رغبة أنقرة في ترسيخ حضورها العسكري في مناطق تعتبرها عمقاً أمنياً استراتيجياً، بالتوازي مع الحفاظ على دورها في البعثات الأممية لتعزيز صورتها كقوة إقليمية فاعلة ومتوازنة.

