أوكتم، الذي كان حتى أسابيع قليلة مضت يخضع للمحاكمة بتهمة التورط في جريمة سياسية هزّت الرأي العام، قُتل في هجوم مسلح منظم في إسطنبول، في واقعة أثارت موجة من التساؤلات حول طبيعة الجهات الفاعلة، ودور شبكات الجريمة المنظمة، وحدود الأمن الداخلي التركي.
تفاصيل الهجوم: اغتيال في وضح النهار
وقع الهجوم مساء أمس في منطقة زينجيرلي قيوي على طريق بويوكدَره، حيث تعرضت السيارة التي كان يستقلها سردار أوكتم لوابل من الرصاص، أصاب معظمها الجهة المخصصة للسائق.
ووفقًا للصور المتداولة عقب الحادث، بدا أن ما لا يقل عن خمس طلقات نارية اخترقت جسم السيارة من الأمام.
وزارة الداخلية التركية أعلنت في بيان عاجل القبض على خمسة مشتبهين بعد ساعات من العملية، قبل أن تؤكد النيابة العامة في إسطنبول لاحقًا ارتفاع عدد الموقوفين إلى ستة، بينهم قاصران دون الثامنة عشرة.
كما كشفت التحقيقات الأولية عن ضبط سلاحين من نوع كلاشينكوفومسدسين استخدمت في تنفيذ العملية، في مؤشر واضح على طابعها المنظم.
النيابة العامة: دوافع مرتبطة بتنظيم إجرامي
بيان النيابة العامة أكد أن العملية تحمل “بصمات تنظيم إجرامي منظّم“، مرجحة أن تكون قد نُفّذت بدافع عداء شخصي أو انتقام مرتبط بعلاقات معقدة داخل عالم الجريمة المنظمة.
وأضاف البيان أن التحقيق سيتعمق في محورين أساسيين وهما هوية المحرضين الحقيقيين خلف الجريمة ومدى تورط شبكات إجرامية استخدمت كـ”واجهة أو جهة تنفيذية” للاغتيال.
وأشار البيان أيضًا إلى أن التحقيق سيُجرى «بكل أبعاده» لتحديد العلاقة بين المنفذين وبين ما يُعرف إعلاميًا باسم عصابة “دالتونلار ” (Daltonlar)، وهي مجموعة كانت قد هددت أوكتم علنًا في فترات سابقة.
خلفية قضائية: من قاعة المحكمة إلى هدف للاغتيال
يُعد سردار أوكتم أحد الأسماء المثيرة للجدل في قضية اغتيال سينان آتش، الذي قُتل في ديسمبر 2022 في أنقرة، وهي القضية التي هزّت الأوساط السياسية القومية في تركيا.
أوكتم، الذي شغل في السابق منصب نائب رئيس اتحاد الشباب القومي، كان أيضًا محاميًا لعدد من المتهمين في نفس القضية، بينهم دوغوكان تشيب، وإراي أوزياججي، والنائب القومي السابق أفق كوكترك.
تم توقيفه عام 2023 وقضى نحو 21 شهرًا في الحبس الاحتياطي قبل أن يُفرج عنه في 2 أكتوبر 2024 بشروط الرقابة القضائية، ليُحاكم لاحقًا من دون توقيف.
الهاتف المغلق والأسرار المخفية
إحدى النقاط الغامضة في ملف أوكتم تمثلت في رفضه المستمر تسليم كلمة مرور هاتفه الشخصي، وهو ما حال دون فحص محتواه الرقمي.
برر أوكتم موقفه بأنه يعاني فقدانًا في الذاكرة نتيجة إصابته السابقة بفيروس كوفيد-19، وأنه نسي كلمة المرور، قبل أن يؤكد لاحقًا أنه لن يسلمها استنادًا إلى المادة 36 من قانون المحاماة التي تتيح له حماية سرية موكليه.
هذه التفاصيل كانت قد أثارت اهتمامًا خاصًا من جانب عائشة آتش، أرملة الزعيم القتيل سينان آتش، التي صرحت بعد اغتيال أوكتم بأن جهازه كان يحتوي على معلومات مهمة من شركة آبل تتعلق بسير التحقيقات.
وأضافت أن «الملف المرتبط بسينان آتش يضم اتهامات خطيرة كان من شأنها أن تغيّر مسار القضية»، مشيرة إلى أن أوكتم وعددًا من المتهمين كانوا قد طالبوا المحكمة سابقًا بتأمين الحماية الشخصية لهم بعد تلقيهم تهديدات.
ردود الفعل السياسية: اتهامات متبادلة وتحذيرات من الفوضى الأمنية
اغتيال أوكتم فجّر عاصفة من ردود الفعل السياسية، حيث وصف مراد بكان، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، القتيل بأنه “الشخصية المحورية“ في قضية سينان آتش، مؤكدًا أن الإفراج عنه كان «قرارًا خاطئًا»، وأن موته قد يؤدي إلى إخفاء حقائق خطيرة.
وفي تصريح نشره عبر منصة X، شدد بكان على أن الجريمة “تكشف حجم التغلغل الخطير لشبكات الجريمة المنظمة في تركيا”، معتبرًا أن “هذه العصابات أصبحت تهديدًا للأمن القومي لا يقل خطرًا عن الإرهاب”.
من جانبه، علّق تورهان تشومَز، نائب حزب الخير، خلال مقابلة مع قناة Sözcü TV، بأن عجز الأجهزة الأمنية عن منع الجريمة يعكس «أزمة داخل مؤسسات الأمن التركية»، وأن استمرار هذا النمط من الاغتيالات قد «يعيد البلاد إلى أجواء التصفيات السياسية في التسعينيات».
تصفية حسابات أم إسكات للأسرار؟
يرى مراقبون أن اغتيال سردار أوكتم يتجاوز حدود الصراع بين التنظيمات الإجرامية، إذ يأتي في لحظة حساسة تتقاطع فيها التحقيقات القضائية، والصراعات السياسية، والملفات الأمنية السرية. فأوكتم لم يكن مجرد متهم، بل كان شاهدًا محتملاً على علاقات معقدة بين شخصيات سياسية وتنظيمات قومية مسلحة.
ومن ثم، فإن مقتله يطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت العملية رسالة ترهيب لمنع تسرب معلومات حساسة تتعلق بقضية سينان آتش، التي ما زالت تثير جدلاً في أوساط القضاء والرأي العام. كما وردت مزاعم بأن حكومة أردوغان كانت تستغل أوكتم لممارسة الضغوط على حليفه من الخارج حزب الحركة القومية لإجباره على قبول سياساته وإبقائه تحالفه الذي بدأ يتشقق في الآونة الأخيرة، مما يعني أن اغتيال شاهد في قضية ضد الحزب القومي صب في مصلحته.

