في تطور دبلوماسي وأمني لافت، تستعد كل من تركيا وإسرائيل لعقد الجولة الثانية من المحادثات المباشرة في العاصمة الأذربيجانية باكو، وسط مخاوف من احتكاك عسكري محتمل بين قواتهما في سوريا. وتهدف هذه اللقاءات إلى إرساء آلية تنسيق مشترك تمنع حوادث الاصطدام في ظل التقاطع الميداني المتزايد بين الجانبين.
فراغ السلطة في سوريا وسيناريوهات التصعيد
أدى انهيار سيطرة النظام السوري بقيادة بشار الأسد إلى فراغ في السلطة، ترك الساحة مفتوحة أمام قوى إقليمية، أبرزها تركيا وإسرائيل. كلا الطرفين بات يتحرك في مجالات جغرافية متقاربة شمال وجنوب سوريا، ما يرفع احتمالات الصدام غير المقصود. إذ إن تركيا توسّع نفوذها عبر عمليات عسكرية متكررة وتثبيت وجود ميداني في الشمال، بينما تواصل إسرائيل ضرباتها الجوية لمنع تموضع قوات موالية لإيران أو النظام السوري قرب حدودها الشمالية.
مطالب إسرائيلية في صلب المحادثات
وفق ما نقلته هيئة البث العام الإسرائيلية، فإن إسرائيل تطرح مطلبين رئيسيين خلال المباحثات وهما منع أي انتشار لقوات معادية قرب حدودها الشمالية مع سوريا، ورفض وجود أسلحة استراتيجية على الأراضي السورية يمكن أن تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها.
حادثة جوية تكشف هشاشة الوضع
جاءت هذه الجولة العاجلة من المحادثات في أعقاب أول احتكاك جوي مباشر بين سلاح الجو التركي والإسرائيلي فوق الأجواء السورية، حيث دخلت مقاتلات تركية من طراز F-16 المجال الجوي السوري ليلة الجمعة الماضية، بالتزامن مع غارات جوية إسرائيلية كثيفة استهدفت مواقع قيل إنها مرتبطة بتركيا، في حين أرسل الطيارون الأتراك إشارات تحذيرية إلكترونية للجانب الإسرائيلي، لإعلامهم بوجودهم في المنطقة.
هذه الواقعة أبرزت الحاجة الملحة لتنسيق ميداني مباشر بين الجانبين لتفادي تصعيد غير محسوب.
نحو آلية تنسيق عسكرية مشتركة
تشير وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن الهدف الأبرز من هذه المحادثات هو إنشاء آلية للتنسيق العسكري (Deconfliction Mechanism)، على غرار تلك التي كانت قائمة بين الجيش الإسرائيلي والقوات الروسية سابقًا في سوريا.
الموقف الدولي.. دعم أمريكي وتحرك أذربيجاني
أشاد عضو الكونغرس الأمريكي الجمهوري جو ويلسون بالمحادثات، وكتب على منصة X: “أرحب بالمحادثات بين أصدقائنا تركيا وإسرائيل في أذربيجان بشأن سوريا. إنني أدعم جهود الرئيس ترامب للتوسط في اتفاق يسهم في تعزيز استقرار سوريا وأمنها وسيادتها. فاستقرار سوريا يصب في مصلحة المنطقة بأسرها”.
وكانت الجولة الأولى من هذه المحادثات قد عُقدت في 9 أبريل في باكو، ووصفتها مصادر تركية بأنها “مباحثات فنية” لتحديد أسس التنسيق الميداني.
وجهتا نظر متباينتان حول الوجود التركي في سوريا
بينما تعتبر إسرائيل أن الوجود العسكري التركي في سوريا يشكل تهديدًا محتملًا لأمنها الإقليمي، ترى أنقرة في تحركاتها محاولة لإعادة الاستقرار وملء الفراغ الذي خلفه تراجع روسيا وإيران.
في الوقت الذي تسعى تركيا لفرض معادلة جديدة في الشمال السوري، تتحسب إسرائيل من احتمال استخدام هذا الوجود كورقة ضغط مستقبلي.
دور أذربيجان كوسيط إقليمي
اختيار أذربيجان كمقر لهذه المحادثات يؤشر إلى صعود دورها كوسيط موثوق ومحايد بين القوى الإقليمية، خاصة أنها ترتبط بعلاقات جيدة بكل من أنقرة وتل أبيب، وتحتفظ بموقع جغرافي استراتيجي على هامش الصراعات الكبرى.

