يشهد قطاع النسيج والملابس الجاهزة في تركيا واحدة من أسوأ مراحله منذ عقود، بعدما حذّر كبار رجال الأعمال والمستثمرين من أن الصناعة، التي كانت يوماً من ركائز الاقتصاد التركي، تقف على حافة الانهيار.
وجاءت التحذيرات في ظل استمرار التضخم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الصادرات، ما ينذر بتوقف شبه كامل في خطوط التصنيع خلال الأشهر المقبلة إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة لإنقاذ القطاع.
تحذيرات من شلل وشيك في الصناعة
خلال ندوة حملت عنوان “ثلاثون عاماً في تجارة التجزئة“ نظمتها شركة “أرتاش القابضة”، أحد أبرز مطوري ومشغلي المراكز التجارية في البلاد، أطلق رؤساء كبرى العلامات التركية في مجالي النسيج والملابس الجاهزة تحذيرات متشائمة حول مستقبل القطاع.
قال رئيس مجلس إدارة “كيغلي غييم”، عبد الله كيغلي، إن الحكومة “تخلّت عن صناعة النسيج والملابس الجاهزة“، مشيراً إلى أن المصانع في الأناضول تغلق أبوابها تباعاً وأن الإنتاج ينتقل تدريجياً إلى دول مثل مصر وبعض بلدان الشرق الأقصى. وأضاف أن استمرار هذا التوجه قد يؤدي إلى غياب تام للمنتجين المحليين خلال نصف عام، محذّراً من “كارثة وطنية” إذا لم تُتخذ تدابير عاجلة لدعم الصناعيين.
ضغوط اقتصادية وتحديات بنيوية
شارك في الندوة أيضاً كلّ من رئيس مجلس إدارة شركة LC Waikiki، وهبي كوتشوك، ورئيس “أرتاش القابضة” سليمان تشيتينسايا، ورئيس “ألْكاش & HAN Spaces” آفي ألكاش، حيث أجمعوا على أن القطاع يواجه ضغوطاً غير مسبوقة رغم اتساع نشاط العلامات الكبرى.
وأكد كوتشوك، الذي تدير شركته عمليات في نحو ستين دولة وتوظف عشرات الآلاف من العمال، أن القطاع يعيش مرحلة حرجة لا يمكن تجاوزها إلا بإدارة أكثر كفاءة للتكاليف. وقال: “لا يمكننا خفض التضخم أو الفائدة بأنفسنا، لكن علينا أن نبحث عن سبل أكثر ذكاءً لإدارة تكاليفنا المتزايدة.”
تضخم متصاعد وسياسات نقدية متذبذبة
يأتي هذا التحذير في وقتٍ تشهد فيه تركيا تباطؤاً في مسار تراجع التضخم الذي استمر ستة عشر شهراً. فقد ارتفعت النسبة السنوية في سبتمبر إلى أكثر من ثلاثة وثلاثين في المئة، مقارنة بالشهر السابق، ما أنهى فترة الانخفاض التدريجي التي بدأت منذ منتصف عام ألفين وأربعة وعشرين.
ورغم رفع البنك المركزي سعر الفائدة إلى خمسين في المئة في مارس في محاولة لكبح التضخم ودعم الليرة، فإن السياسات اللاحقة اتسمت بالتذبذب مع قرارات متباينة بين التثبيت والتخفيض، ما أثّر سلباً في ثقة الأسواق واستقرار القطاع الصناعي.
تراجع الصادرات وفقدان مئات الآلاف من الوظائف
بيانات جمعية المصدّرين الأتراك أظهرت أن صادرات النسيج والمواد الخام بلغت قرابة عشرة مليارات دولار عام ألفين وأربعة وعشرين، بتراجع طفيف عن العام السابق، فيما انخفضت صادرات الملابس الجاهزة بنسبة تقارب سبعة في المئة، وسجل قطاع الجلود انخفاضاً حاداً.
وأشارت الأرقام إلى أن الأسواق الأوروبية ما زالت الوجهة الرئيسة للصادرات التركية، مع احتلال إيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا المراتب الأولى. ومع ذلك، كشف رئيس الجمعية أن القطاع فقد نحو ربع مليون وظيفة خلال عامين، مشيراً إلى أن “المدن الأناضولية باتت تعاني فراغاً في العمالة، إذ لم يعد هناك طلب على العمل كما في السابق“.
هجرة المصانع إلى مصر وبلدان أخرى
تتزايد ظاهرة نقل المصانع التركية إلى الخارج في ظل التكاليف المحلية المرتفعة وضعف القدرة التنافسية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المصانع التي أنشأها مستثمرون أتراك في مصر بلغ نحو مئتين، في مؤشر واضح على التحول الهيكلي في خريطة الإنتاج الإقليمي.
ويرى خبراء الصناعة أن هذا الاتجاه قد يتحول إلى هجرة صناعية واسعة إذا لم تُعد الحكومة النظر في سياساتها الاقتصادية الداعمة للقطاع، محذرين من أن فقدان هذه الصناعة يعني خسارة أحد الأعمدة التاريخية للاقتصاد التركي.
قلق متزايد على استدامة القطاع
رغم أن بعض الشركات الكبرى ما تزال تحقق أرباحاً، فإن القلق يسود بين المستثمرين بشأن استدامة النشاط الصناعي على المدى الطويل. ويؤكد كوتشوك: “نحقق أرباحاً اليوم، لكن هذا لا يعني أن القطاع بخير.”
ويُعدّ قطاع النسيج والملابس الجاهزة أحد أهم القطاعات التشغيلية في تركيا، إذ يوفر أكثر من مليون فرصة عمل ويساهم بجزء كبير من عائدات الصادرات الوطنية.

