منذ اندلاع المواجهة المفتوحة في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتسارع وتيرة التصعيد على نحو ينذر بتحول النزاع إلى نقطة انعطاف تاريخية في توازنات المنطقة.
اليوم الرابع يكشف عن مشهد عسكري واقتصادي معقد، تتداخل فيه حسابات الردع والاستنزاف مع رهانات إسقاط الأنظمة وإعادة رسم خرائط النفوذ.
في قراءة تحليلية قدّمها الباحث التركي في العلاقات الدولية سدات لاتشينر، تتبدى صورة صراع يتجاوز الضربات المتبادلة، ليغدو اختباراً لقدرة القوى الكبرى على إدارة حرب متعددة الجبهات في بيئة جغرافية وسياسية شديدة التعقيد.
واشنطن بين رهانات الحسم السريع وواقع الاستنزاف
تشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، دخلت المواجهة بتقديرات زمنية أقصر مما هو قائم حالياً، غير أن تعقيدات الجغرافيا الإيرانية واتساع رقعة الاشتباك دفعا إلى تعديل التوقعات لتصل إلى أربعة أسابيع أو أكثر.
الولايات المتحدة أعلنت مقتل نحو خمسين قائداً إيرانياً رفيع المستوى، ووصفت الضربات بأنها أطاحت بالبنية القيادية العسكرية. كما دعا ترامب الإيرانيين إلى الانتفاض ضد النظام، في محاولة لدمج الضغط العسكري بالرهان على تفكك داخلي. إلا أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الضربات الجوية وحدها نادراً ما تؤدي إلى انهيار فوري للأنظمة المتماسكة أمنياً.
في موازاة ذلك، كشف وزير الخارجية ماركو روبيو أمام أعضاء في الكونغرس أن إسرائيل ضغطت لتنفيذ الضربة الأولى، ما وضع القواعد الأمريكية في دائرة الخطر. إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو نفتا هذه الرواية، لكن الجدل يعكس توتراً داخلياً حول كيفية الانخراط في الحرب وحدودها.
معادلة الكلفة: طائرات رخيصة وصواريخ بملايين الدولارات
تعتمد طهران على استراتيجية استنزاف تقوم على إطلاق مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ يومياً. كلفة الطائرة الإيرانية الواحدة لا تتجاوز مئة واثنين وخمسين ألف دولار، بينما تُجبر الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية على استخدام صواريخ اعتراض تتراوح كلفتها بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار للوحدة.
هذه المعادلة، التي تستحضر تجارب حروب حديثة قائمة على إنهاك الدفاعات الجوية، تضع البنتاغون أمام احتمال نقل ذخائر إضافية من الداخل الأمريكي ومن مسارح عمليات أخرى إذا طال أمد النزاع. تقارير ميدانية تحدثت عن إسقاط ثلاث طائرات أمريكية في الكويت ومقتل ستة جنود، مع مخاوف من ارتفاع العدد، ما قد يثير احتجاجات داخلية، خصوصاً بين القاعدة الانتخابية لترامب التي تميل إلى رفض الحروب الممتدة.
في المقابل، تعرضت منشآت إيرانية لضربات مكثفة استهدفت قواعد الحرس الثوري ومنظومات الدفاع الجوي. وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تسجيل أضرار في مدخل منشأة نطنز لتخصيب الوقود، في مؤشر إلى أن البنية النووية باتت في صلب بنك الأهداف.
اشتعال الخليج: من القواعد العسكرية إلى المطارات والموانئ
اتسعت رقعة النار لتشمل العمق الخليجي. تعرضت الإمارات العربية المتحدة لمئات الصواريخ وأكثر من ثمانمئة طائرة مسيّرة منذ بدء النزاع، فيما طالت هجمات مماثلة الكويت وقطر والسعودية، مستهدفة قواعد أمريكية ورادارات دفاعية.
أغلقت مطارات دبي وأبو ظبي جزئياً، وشهدت الطرق البرية حركة نزوح لآلاف السكان، بينما توقفت الحركة البحرية في موانئ سلطنة عمان. في الرياض، استهدفت طائرة مسيّرة محيط السفارة الأمريكية وأدت إلى حريق، ما دفع واشنطن إلى إغلاق بعثاتها في السعودية والكويت ولبنان، وتحذير رعاياها في أربع عشرة دولة شرق أوسطية، بينها مصر، من مخاطر البقاء.
يحذر لاتشينر من أن أي إصابة مباشرة لمنشآت نفطية كبرى قد تحوّل المواجهة إلى حرب عربية–إيرانية مفتوحة، خصوصاً في ظل تقارير عن عمليات خاصة إسرائيلية داخل إيران، واتهامات متبادلة بشأن “عمليات راية مزيفة” تهدف إلى توسيع دائرة الصراع.
الجبهة اللبنانية والعمق الإيراني
أقر نتنياهو بعملية برية واسعة في جنوب لبنان، ترافقت مع أوامر إخلاء وغارات مكثفة أسفرت عن مقتل أكثر من خمسين شخصاً ونزوح نحو ثلاثين ألفاً، مع هدف معلن بالسيطرة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. كما نفذت إسرائيل، بالتنسيق مع قوات أمريكية، ضربات داخل طهران ومناطق أخرى، استهدفت مراكز استخبارات وقواعد مرتبطة بحزب الله.
أعلن الهلال الأحمر الإيراني سقوط ما لا يقل عن سبعمئة وسبعة وثمانين مدنياً وآلاف الجرحى، في حين سجلت إسرائيل اثني عشر قتيلاً جراء الهجمات الإيرانية. الأرقام تبقى موضع تدقيق بسبب القيود الرقابية في زمن الحرب.
الاقتصاد العالمي تحت الصدمة: هرمز في قلب العاصفة
الانعكاسات الاقتصادية بدت فورية. أعلنت قطر خفض إنتاج الغاز جزئياً، وارتفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية. وأعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تراجع حركة السفن بنسبة تقارب تسعين في المئة واندلاع حرائق في سفن قرب المنطقة.
استمرار الإغلاق شهراً واحداً قد يوجه صدمة حادة لاقتصادات أوروبا واليابان، ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. شركات التأمين بدورها امتنعت عن تغطية مخاطر الحرب، ما يضاعف كلفة النقل ويهدد بانكماش تجاري واسع.
صمود النظام الإيراني وسيناريوهات النهاية
رغم اغتيال نحو خمسين قائداً رفيعاً، لم تظهر مؤشرات فورية على انهيار النظام. البنية الهرمية تسمح بإحلال الصفوف الثانية محل القيادات المستهدفة، وإن كان فقدان النخبة قد يخلّف ضعفاً نوعياً على المدى الطويل.
الرهان الأمريكي–الإسرائيلي يقوم على احتمال اندلاع احتجاجات في المناطق الغربية أو إعلان “مناطق محررة”، إلا أن المعطيات الميدانية لا تشير بعد إلى تحول داخلي حاسم. في المقابل، تتداول تحليلات بريطانية سيناريوهات متعددة: انهيار كامل للنظام، وانسحاب أمريكي يُسوَّق كانتصار بعد تدمير المنشآت النووية، وإعادة تشكيل السلطة عبر شخصية موالية مثل علي لاريجاني أو مسعود بزشكيان، أو انزلاق البلاد إلى فوضى شبيهة بالنموذج السوري مع تدخلات عرقية وطائفية.
خلاصة
الحرب الجارية تتجاوز كونها مواجهة عسكرية مباشرة، إذ تمثل اختباراً لاستراتيجيات الاستنزاف والردع في بيئة إقليمية شديدة التشابك، مع تداعيات اقتصادية عالمية عميقة. ومع استمرار الضربات وتوسع الجبهات، يبدو الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط القوة لسنوات مقبلة.

