أثارت خطوة تركيا ببيع سفينتين حربيتين حديثتي البناء إلى إندونيسيا، بقيمة تقارب مليار دولار، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والعسكرية، على خلفية مخاوف من تأثير هذه الصفقات على الجاهزية القتالية للبحرية التركية.
الصفقة شملت السفينتين TCG إزمير وTCG إيتشيل، اللتين دخلتا الخدمة في القوات البحرية التركية عام 2025 ضمن مشروع MİLGEM الوطني لتطوير السفن الحربية.
هذه الخطوة لم تأتِ بمعزل عن سوابق مشابهة، إذ سبقتها عملية نقل سفينة الدورية TCG أكحصار إلى رومانيا مقابل نحو 245 مليون يورو، وهي أيضًا سفينة كانت مخصصة أصلًا لتلبية احتياجات البحرية التركية، ما عزز الانطباع بأن مسارًا جديدًا يتشكل في سياسة تصدير المنصات البحرية.
موقف رسمي: نجاح صناعي دون إجابة استراتيجية
وزارة الدفاع التركية قدمت الصفقة مع إندونيسيا باعتبارها دليلًا على المستوى المتقدم الذي بلغته الصناعات الدفاعية المحلية من حيث الجودة والتكنولوجيا، وربطتها باستراتيجية توسيع صادرات السلاح وتعزيز موارد العملة الصعبة.
غير أن التصريحات الرسمية تجنبت التطرق إلى الانتقادات المتزايدة بشأن انعكاس هذه الصادرات على خطط التحديث طويلة الأمد للبحرية، أو على توازن القوة البحرية في ظل بيئة إقليمية متوترة.
مشروع الفرقاطات: خطط أولية تتغير
السفن المباعة تنتمي إلى مشروع الفرقاطات من فئة “إسطنبول، الذي كان مخططًا له أن يشمل ثماني فرقاطات مخصصة للأسطول التركي. حتى الآن، تم إنجاز أربع سفن، فيما يستمر العمل على الأربع المتبقية. بيع وحدات من هذا المشروع قبل اكتمال البرنامج أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الأولويات الدفاعية قد خضعت لإعادة ترتيب لصالح الأهداف التجارية.
معارضة سياسية وتحذيرات عسكرية
حزب الشعب الجمهوري المعارض كان في مقدمة المنتقدين، حيث اعتبر نائب رئيسه يانكي باغجي أوغلو، وهو أميرال متقاعد، أن بيع سفن قتال رئيسية لأسباب اقتصادية يشكل مخاطرة مباشرة بالأمن القومي.
وأكد أن السفن المصممة لخدمة القوات البحرية لا يمكن التعامل معها كسلع تجارية، لأنها تمثل عناصر جوهرية في منظومة الدفاع الوطني.
أسطول متقدم في العمر وجدول تحديث مهدد
الانتقادات لم تقتصر على المعارضة السياسية، بل امتدت إلى خبراء وضباط بحرية سابقين. فقد حذر الضابط والكاتب جيم غوردينيز من أن فرقاطات فئة “إسطنبول” كانت ضرورية لتعويض الأسطول المتقادم، خصوصًا فرقاطات الفئة G التي يتجاوز عمر بعضها 45 عامًا.
وأشار إلى أن البحرية التركية تشغل حاليًا ست عشرة فرقاطة، اثنتا عشرة منها يزيد عمرها على 39 عامًا، معتبرًا أن تحويل السفن الجديدة إلى التصدير قد يخلق فجوة خطيرة في جدول الإحلال والتجديد ويؤخر سد النقص في القدرات البحرية.
ورغم إقراره بأهمية دعم صناعة بناء السفن محليًا، شدد غوردينيز على أن تحديث البحرية يجب أن يبقى أولوية قصوى في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، محذرًا من أن القوة البحرية لا تحتمل حتى التجميد، فضلًا عن التراجع.
توسع صادرات الدفاع وسؤال التوازن
تأتي هذه الصفقة ضمن مسار أوسع انتهجته أنقرة خلال السنوات الأخيرة لتوسيع صادراتها الدفاعية، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو المدرعات أو المنصات البحرية، في محاولة لتعزيز الاستقلال الصناعي وجذب عائدات خارجية.
وفي السياق نفسه، تشهد العلاقات الدفاعية بين تركيا وإندونيسيا تقاربًا متزايدًا، تُوّج باتفاقيات أوسع في يوليو 2025 شملت خططًا لبيع 48 مقاتلة KAAN من الجيل الجديد إلى جاكرتا ضمن إطار حكومي مباشر.
إشكالية مفتوحة بين الطموح التجاري والحاجة الاستراتيجية
رغم الزخم الذي تحققه صادرات الصناعات الدفاعية التركية، يرى منتقدون أن بيع سفن حربية حديثة كانت مخصصة للأسطول الوطني يثير تساؤلات جوهرية حول حدود التوفيق بين الطموحات التجارية ومتطلبات الأمن القومي، خاصة في وقت تتغير فيه موازين القوى البحرية في شرق المتوسط والمناطق المحيطة بتركيا.
الخلاصة
بيع فرقاطات تركية حديثة إلى الخارج أعاد فتح نقاش حساس حول كلفة تصدير السلاح على الجاهزية الدفاعية، في ظل أسطول بحري متقدم في العمر وحاجة ملحة للتحديث، ما يضع صانعي القرار أمام معادلة صعبة بين العائد الاقتصادي والأمن الاستراتيجي.

