بعد أسابيع من الصمت الرسمي، خرجت أنقرة لأول مرة بموقف علني بشأن واحدة من أكبر عمليات ضبط المخدرات في تاريخ الملاحة البحرية الأوروبية، وذلك عقب إعلان وزارة الداخلية التركية توقيف سبعة مشتبه بهم داخل تركيا، على صلة بشحنة كوكايين ضخمة صادرتها السلطات الإسبانية في المياه الدولية.
هذا التطور نقل القضية من إطارها البحري الدولي إلى الداخل التركي، فاتحًا الباب أمام أسئلة أمنية وقانونية وسياسية حول شبكات التهريب العابرة للحدود، وحدود المسؤولية الوطنية في الجرائم المنظمة ذات الطابع الدولي.
التوقيفات داخل تركيا: امتداد للتحقيق الدولي
أعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا أن قوات الأمن نفذت عمليات متزامنة أسفرت عن توقيف سبعة أشخاص يُشتبه بارتباطهم بالشحنة المصادرة.
العملية نُفذت بإشراف مباشر من مكتب الادعاء العام في إسطنبول، وبمشاركة وحدة مكافحة المخدرات التابعة لشرطة المدينة، وامتدت المداهمات إلى ست ولايات شملت إسطنبول، مرسين، تكيرداغ، قوجة إيلي، سكاريا، وهاتاي.
ووفق التصريحات الرسمية، فإن هذه التوقيفات جاءت في إطار تحقيق موازٍ يهدف إلى تفكيك الامتدادات البرية واللوجستية للشحنة، وليس فقط الاكتفاء بتوقيف الطاقم البحري.
عملية “المد الأبيض”: تفاصيل الضبط في عرض البحر
في الجانب المقابل، كانت السلطات الإسبانية قد نفذت في وقت سابق من الشهر الجاري عملية بحرية وُصفت بأنها غير مسبوقة، أسفرت عن مصادرة ما يقارب عشرة أطنان من الكوكايين من سفينة شحن أُوقفت في المياه الدولية أثناء توجهها نحو أوروبا.
الشحنة، التي بلغ وزنها الفعلي تسعة آلاف وتسعمئة وأربعة وتسعين كيلوغرامًا، كانت مخبأة داخل مئتين وأربعٍ وتسعين عبوة، أُخفيت بعناية وسط حمولة من الملح، في محاولة واضحة للتمويه على التفتيش الجمركي.
السفينة كانت ترفع علم الكاميرون، وتم اعتراضها في السادس من يناير، فيما جرى توقيف جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم ثلاثة عشر شخصًا.
جنسيات الطاقم وتشابك المسارات
بحسب المعطيات الرسمية، ضمّ الطاقم الموقوف أربعة مواطنين أتراك، إلى جانب أفراد من جنسيات صربية ومجرية وهندية، ما يعكس الطبيعة العابرة للقوميات لشبكات تهريب المخدرات، ويعقّد مسارات التحقيق القضائي والمالي.
وتعزز هذه التركيبة فرضية وجود شبكة متعددة الجنسيات تتجاوز دولة العلم ودولة الانطلاق، وتعمل وفق تقسيم أدوار دقيق بين البحر والبر.
تعاون دولي واسع دون حضور تركي ميداني
العملية الإسبانية نُفذت تحت مسمى “المد الأبيض”، وبمشاركة وتعاون أمني مع عدة دول، شملت الولايات المتحدة والبرازيل وبريطانيا وفرنسا والبرتغال. ورغم وجود مواطنين أتراك على متن السفينة، لم تُسجَّل مشاركة ميدانية مباشرة لوحدات أمنية تركية في عملية الاعتراض البحري، وهو ما أثار لاحقًا نقاشًا سياسيًا داخليًا في تركيا.
الجدل حول ملكية السفينة
بالتوازي مع تطورات القضية، تداولت وسائل إعلام تركية معلومات تفيد بأن السفينة، التي تحمل اسم “United S”، مملوكة لشركة شحن مقرها تركيا. غير أن شركة تركية أخرى تحمل اسمًا مشابهًا أصدرت بيانًا نفت فيه بشكل قاطع أي علاقة لها بالسفينة أو بإدارتها أو تشغيلها، مؤكدة أن الالتباس ناتج عن تشابه في الأسماء التجارية.
وفي المقابل، لم تصدر السلطات الإسبانية أي اتهام علني بحق شركات مقرها تركيا، ولا يزال التحقيق مفتوحًا دون إعلان نتائج نهائية بشأن البنية المالية أو القانونية المالكة للسفينة.
صمت رسمي وانتقادات معارضة
قبل بيان وزير الداخلية، كانت السلطات التركية قد التزمت الصمت حيال القضية، رغم اتساع التغطية الإعلامية وتصاعد الانتقادات السياسية. وشكك نواب من المعارضة، لا سيما من حزب الشعب الجمهوري، في مدى تحرك المؤسسات الأمنية التركية بشكل استباقي، وطرحوا تساؤلات حول ما إذا كانت التحقيقات تشمل تتبع المسارات المالية المرتبطة بالشحنة.
كما طُرحت أسئلة حول أسباب غياب وحدات تركية عن العملية الدولية، وحول ما إذا كانت هناك فجوات في التنسيق الأمني الخارجي.
أكبر ضربة بحرية في تاريخ إسبانيا
وصفت مدريد عملية الضبط بأنها أكبر مصادرة كوكايين بحرية في تاريخها، ما يضفي على القضية بعدًا رمزيًا وأمنيًا بالغ الحساسية، خصوصًا في ظل تصاعد نشاط تهريب المخدرات عبر المسارات البحرية الطويلة نحو أوروبا.
الخلاصة
تكشف قضية شحنة الكوكايين المصادرة عن تشابك عميق بين الأمن البحري الدولي والتحقيقات الداخلية، وتضع أنقرة أمام اختبار جدي في تفكيك الامتدادات المحلية لشبكات التهريب العابرة للحدود. وبينما تتواصل التحقيقات، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما ستكشفه المسارات المالية والتنظيمية خلف واحدة من أضخم شحنات المخدرات في تاريخ المتوسط.

