تشهد محافظة طوباس ومحيطها في شمال الضفة الغربية موجة عسكرية جديدة تتجاوز نمط الاقتحامات التقليدية، في ظل عملية واسعة ينفذها الجيش الإسرائيلي منذ يومين، وسط حالة ارتباك سياسي وأمني تتقاطع فيها الرواية الإسرائيلية مع الاتهامات الفلسطينية بفرض معادلات جديدة على الأرض.
انتشار عسكري مكثّف وإجراءات عزل خانقة
دفعت القوات الإسرائيلية بأرتال عسكرية وجرافات إلى عمق مدينة طوباس وبلدات عقابا وطمون، وأقامت سواتر ترابية وحواجز أحكمت العزل الكامل عن المحافظة. وترافق ذلك مع إطلاق مروحيات نارية واستهدافات مكثّفة لمواقع ما تزال غير معلنة، فيما فُرض منع شامل للتجوال أدى إلى شلل كامل للحركة وتعطّل المرافق الحيوية.
وتحذّر الهيئات المحلية من أن العزل المفروض يهدد الفئات الضعيفة، من المرضى وكبار السن والأطفال، في ظل إطلاق النار على أي تحرك واقعي، ما حول المحافظة إلى منطقة مغلقة تخضع لمعادلات ميدانية غير مسبوقة.
الرواية الإسرائيلية: “عملية استباقية” ضد بنى مسلحة ناشئة
تصف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية العملية بأنها خطوة استباقية تستهدف “بُنى إرهابية قيد التشكل” في شمال الضفة، مع حديث عن مطلوبين ونشاطات مسلحة تستغل التضاريس الريفية. وتشدد تل أبيب على أن الحملة ستتواصل أياما عدة، وتشمل تفتيشات واعتقالات واسعة داخل ما تسميه “قرى شمال السامرة”، بهدف منع هجمات محتملة وإحباط توسع خلايا محلية.
الموقف الفلسطيني: حصار سياسي يسبق أي مبرر أمني
على الجهة المقابلة، ترى السلطة الفلسطينية أن العملية تتجاوز الإطار الأمني المعلن، وتندرج ضمن سياسة فرض أمر واقع طويل الأمد. ويشير محافظ طوباس إلى أن الحديث عن مطلوبين “غير دقيق”، معتبراً أن الهدف يتمثل في “إعادة رسم حدود السيطرة” في شمال الضفة، خصوصاً مع استخدام الطائرات الهجومية وإطلاق النار العشوائي، بما يعكس نية لإخضاع المنطقة بشكل كامل وتعزيز العزل الجغرافي بين المدن والبلدات.
سياق إقليمي ومحلي أوسع: تصاعد الاقتحامات وتزايد عنف المستوطنين
تتزامن عملية طوباس مع موجة تصعيد شامل في الضفة الغربية، حيث كثّفت القوات الإسرائيلية عمليات الدهم والاعتقال، في وقت تواصل فيه مجموعات المستوطنين المسلحة تنفيذ اعتداءات غير مسبوقة على القرى الفلسطينية ومزارعيها. تؤكد التقارير الحقوقية ارتفاعاً ملحوظاً في هجمات المستوطنين، ما يعزز قناعة فلسطينية بأن التصعيد العسكري والمدني الاستيطاني يتحركان في سياق واحد لإعادة تشكيل السيطرة الميدانية وتعميق التجزئة الجغرافية.
وفي ظل استمرار التوسع الاستيطاني وغياب أفق سياسي فعّال، تتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه العمليات المتكررة، إلى جانب توسع الضم الواقعي، إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي.
تطورات قطاع غزة: عقبات تعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية من “اتفاق غزة”
بالتوازي مع مشهد الضفة، تشهد القاهرة حراكاً سياسياً مكثفاً بشأن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وسط تأكيد الوسطاء أن الاتفاق يواجه “تحديات” لم يُكشف عن تفاصيلها. وتبرز أربع عقبات أساسية تشير إليها تحليلات الخبراء والدوائر السياسية، وفق تقرير لصحيفة الشرق الأوسط.
غياب التوافق الفلسطيني
تواصل الفصائل الفلسطينية خلافاتها حول تشكيل لجنة إدارة غزة، ما يعطل الانتقال المنشود إلى مرحلة ما بعد الحرب ويعقّد جهود الوسطاء.
أزمة مقاتلي رفح المحاصرين
تكشف التسريبات الإعلامية أن نحو مئتي مقاتل من “حماس” محاصرون داخل أنفاق رفح، بعد إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في تلك المنطقة عقب بدء الهدنة في أكتوبر الماضي، ما يجعل مصيرهم ملفاً ضاغطاً على طاولة المفاوضات.
انشغال واشنطن بملفات دولية
يشير محللون إلى أن تركيز الإدارة الأميركية المتزايد على تطورات أوكرانيا يقلص حضورها في اجتماعات الضامنين، وهو ما يضعف الزخم السياسي المطلوب للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تتطلب جهداً أميركياً مباشراً في الإقناع والضغط.
ملف نزع سلاح غزة والقوة الدولية
يمثل مستقبل السلاح في القطاع أحد أعقد الملفات، مع غياب اتفاق حول كيفية نزع السلاح أو طبيعة القوة الدولية المزمع نشرها. ويرى مراقبون أن أي تقدم في هذا المسار يتطلب صيغة متوافقاً عليها بين الفصائل والوسطاء والولايات المتحدة، وإلا سيبقى الاتفاق عالقاً في مرحلته الأولى.
وقد ناقشت اجتماعات القاهرة التي شاركت فيها مصر وقطر وتركيا سبل تثبيت وقف إطلاق النار ومعالجة الخروقات، إضافة إلى آليات خطة الإدارة الأميركية ذات البنود العشرين لمرحلة ما بعد الحرب، وسط تأكيد على ضرورة تجاوز العقبات التي تعيق التنفيذ.

