يستعدّ البرلمان التركي لإقرار مشروع قانون جديد يمنح وحدة التحقيق في الجرائم المالية صلاحيات غير مسبوقة لتجميد الحسابات المصرفية بشكل فوري عند الاشتباه بوجود معاملات مالية مشبوهة.
ويُعدّ هذا الإجراء خطوة كبيرة في توسيع نطاق الرقابة الحكومية على النشاط المالي في البلاد، إذ يسمح للوحدة بمراقبة العمليات البنكية والتدخل في الوقت الفعلي، في إطار حزمة من الإصلاحات تضمّ عشرين مادة تستهدف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
مشروع قانون تحت شعار التوصيات الدولية
تقول السلطات إن هذا المشروع يأتي تماشياً مع توصيات “مجموعة العمل المالي الدولية” (FATF)، وهي الهيئة العالمية المعنية بمراقبة الجرائم المالية العابرة للحدود .ويهدف القانون إلى تمكين وحدة التحقيق في الجرائم المالية من اتخاذ قرارات فورية دون الحاجة إلى انتظار أوامر قضائية مطوّلة، في خطوة تبررها الحكومة بالرغبة في سدّ الثغرات التي يستغلها المتورطون في غسل الأموال أو تمويل الأنشطة غير المشروعة.
لكنّ هذه الخطوة تأتي في وقت تشهد فيه تركيا جدلاً متزايداً حول مصادرة مئات الشركات الخاصة خلال الأشهر الأخيرة، بناءً على تقارير صادرة عن وحدة التحقيق في الجرائم المالية، ما أثار قلقاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية من احتمال تحوّل أدوات الرقابة المالية إلى وسائل للهيمنة السياسية على القطاع الخاص.
مصادرات واسعة وقلق في مجتمع الأعمال
منذ سبتمبر الماضي، أقدمت السلطات على مصادرة مئات الشركات الكبرى، من بينها مجموعات صناعية واستثمارية بارزة مثل “كان القابضة”، و”مجموعة جينر”، و”مصفاة إسطنبول للذهب“.
وتولى “صندوق تأمين الودائع المصرفية” إدارة تلك الشركات، ليرتفع عدد الكيانات الموضوعة تحت وصايته إلى أكثر من ألف شركة، بعد أن كان العدد لا يتجاوز 675 قبل عام واحد فقط.
وتقدّر قيمة الأصول الموضوعة تحت إدارة الصندوق بنحو 328 مليار ليرة تركية (قرابة 8 مليارات دولار)، ما يجعل الدولة شريكاً مباشراً في قطاعات صناعية وتجارية حساسة.
تشديد العقوبات وتوسيع سلطات المراقبة
يتضمن القانون المرتقب تشديد العقوبات على جرائم غسل الأموال والمقامرة غير القانونية والاحتيال الإلكتروني، إلى جانب توسيع رقابة الشرطة المالية على التحويلات الغامضة وغير المبرّرة.
كما يُلزم البنوك والمؤسسات المالية بزيادة إجراءات التحقق من هوية العملاء وتكثيف الإبلاغ عن أي نشاط يثير الشكوك.
وتؤكد الحكومة أن هذه الإصلاحات تأتي في سياق “تعزيز الشفافية المالية” وتحسين تصنيف تركيا الدولي في مؤشرات مكافحة الفساد وغسل الأموال.
انتقادات حول الدوافع السياسية والرقابة المفرطة
في المقابل، يرى منتقدون أن توقيت المشروع يعزز المخاوف من توسّع قبضة الدولة على القطاع الخاص، خصوصاً بعد أن طالت المصادرات شركات كانت حتى وقت قريب محسوبة على دوائر قريبة من الحكومة.
ويحذّر خبراء اقتصاديون من أن تزايد سلطة وحدة التحقيق في الجرائم المالية قد يؤدي إلى تسييس الرقابة المالية واستخدامها كأداة لمعاقبة الخصوم الاقتصاديين أو السياسيين، بدلاً من حصرها في ملاحقة الجرائم المالية البحتة.
كما يشير بعض المراقبين إلى أن التشدّد المفاجئ في تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي الدولية قد يكون محاولة لإظهار الحزم في مكافحة الفساد، وفي الوقت نفسه لتركيز النفوذ الحكومي داخل القطاعات الاستراتيجية.

