شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من الارتباك بعد صدور موقف أميركي صارم ضد مشروعَي قانونين أقرّهما الكنيست بالقراءة التمهيدية، يقضيان بضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.
أبدت الإدارة الأميركية، ممثلة بالرئيس دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية مايك روبيو ومستشار الأمن القومي، رفضاً واضحاً لأي خطوة نحو الضمّ، في موقف وُصف في تل أبيب بأنه “الأشد منذ سنوات” من قبل حليف استراتيجي تاريخي.
هذا الموقف المفاجئ جاء وسط تزايد الزيارات الأميركية رفيعة المستوى لإسرائيل، والتي بدأت بزيارة ترامب نفسه، ثم تبعتها زيارات متتالية لنائبه وكبار مستشاريه وعدد من الجنرالات، ما أعطى الموقف الأميركي ثقلاً سياسياً غير مسبوق.
ردود إسرائيلية مرتبكة وتوضيحات دفاعية
في مواجهة هذا الضغط، سارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى احتواء الأزمة، مؤكدًا أن حكومته لن تتقدم في سنّ قانون الضمّ في المرحلة الحالية، موضحاً أن ما جرى لا يتعدى “مناقشات تمهيدية” داخل الكنيست.
لكن تصريحات أخرى من داخل الائتلاف الحاكم كشفت تناقضًا في الخطاب الحكومي؛ فقد صرّح وزير التعليم يوآف كيش بأن “موقف الحكومة المبدئي هو مع الضمّ”، مضيفًا أن “الحكومة تمارس الضمّ يومياً على الأرض من خلال سياساتها الاستيطانية“، وأن التنفيذ لا يحتاج إلى مشاريع قوانين بل إلى “نهج عملي تدريجي”. هذا التناقض زاد من غضب واشنطن التي رأت في الموقف الإسرائيلي نوعاً من المراوغة السياسية.
نتنياهو بين التبرير والاتهام
حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تهدئة الغضب الأميركي خلال لقائه بنائب الرئيس جي دي فانس في القدس، موضحاً أن مشاريع القوانين التي أثارت الجدل ليست سوى مناورات داخلية صادرة عن “وزير متمرّد” احتجاجاً على الميزانية، وأخرى “من المعارضة“.
إلا أن الأميركيين، بحسب تسريبات إعلامية، تحققوا من خلفيات القوانين وخلصوا إلى أن الحكومة لم تكن بريئة من هذا التحرك الاستفزازي، وكان بإمكانها منع تمرير التصويت التمهيدي لو أرادت ذلك.
فانس: «مناورة غبية» وإهانة دبلوماسية
عند مغادرته تل أبيب، عبّر نائب الرئيس فانس عن استيائه العميق قائلاً: “ قالوا لي إنها مجرد مناورة سياسية، لكنها في الحقيقة مناورة غبية، وقد شعرت بالإهانة لذلك“. وأضاف أن الولايات المتحدة لن تسمح لإسرائيل بضمّ الضفة الغربية، وأنها “غير راضية إطلاقاً عن هذا التصويت“. أما الرئيس ترامب فقد أكد في مقابلة صحفية أنّ إسرائيل قطعت وعداً للدول العربية بعدم الضمّ، محذراً من أنّ أي خرق لهذا الالتزام سيؤدي إلى خسارة إسرائيل دعم الولايات المتحدة.
تحذيرات دبلوماسية حول اتفاق غزة
وفي السياق ذاته، حذّر وزير الخارجية مايك روبيو من أن تصويت الكنيست على الضمّ قد يهدد اتفاق وقف الحرب في غزة الذي يجري العمل على ترسيخه. وشدد على ضرورة الحفاظ على الهدوء في الأسابيع المقبلة، معلناً أنه سيعيّن ممثلاً دائماً لوزارة الخارجية الأميركية في المقر الأميركي بغزة لمتابعة تنفيذ الاتفاق وضمان استقراره.
ويرى تقرير لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية، أن واشنطن تحاول بهذه الخطوات ربط الملفين الفلسطيني والإسرائيلي بمسار سلام جديد، يضمن إنهاء الحرب في غزة بالتوازي مع وقف أي محاولات لضمّ أراضٍ في الضفة الغربية.
صخب سياسي في تل أبيب وتباين في المواقف الداخلية
أحدث الموقف الأميركي صخباً سياسياً واسعاً داخل إسرائيل، حيث انقسمت ردود الفعل بين اليمين المتطرف الذي اعتبر الخطوة الأميركية “تدخلاً في السيادة الإسرائيلية”، والمعارضة التي رأت فيها دليلاً على تآكل العلاقات مع واشنطن بسبب سياسة نتنياهو المتناقضة.
ويشير تقرير “الشرق الأوسط” إلى أنّ الأفكار التي يطرحها المسؤولون الأميركيون بدأت تجد صدى لدى الشارع الإسرائيلي، إذ يرى معظم الإسرائيليين الولايات المتحدة الحليف الأوثق والأكثر إخلاصاً، فيما يُعدّ ترامب، وفق استطلاعات الرأي الأخيرة، “أكثر رئيس أميركي دعماً لإسرائيل في التاريخ“.
سلام مشروط برؤية الدولتين
تتزامن هذه المواقف مع تأييد شعبي إسرائيلي متزايد لخطة ترامب لوقف الحرب وإعادة إطلاق عملية السلام، التي يتضمن بندها التاسع عشر الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم.
ويؤكد المحللون أنّ واشنطن ترى في اللحظة الراهنة فرصة نادرة لتسوية شاملة، تجمع إسرائيل والدول العربية والإسلامية في إطار “سلام شامل” قائم على أساس حلّ الدولتين. وترى الإدارة الأميركية أن الطرفين المتطرفين في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني يشكّلان العقبة الرئيسية أمام هذا المسار، فيما تعوّل على “الأغلبية التي ترغب بالسلام” لإنجاحه.

