أثار زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهجلي موجة من الجدل السياسي، عقب دعوته العلنية لرفض نتائج الانتخابات الرئاسية في “جمهورية شمال قبرص التركية” والمضي نحو “اتحاد كامل مع الجمهورية التركية”.
جاء ذلك بعد فوز زعيم حزب الجمهوريين الأتراك، طوفان إرهرمان، على الرئيس المنتهية ولايته، أرسين تتار، المدعوم من أنقرة، في انتخابات شهدت نسبة مشاركة تجاوزت 64 بالمئة.
بهجلي وصف الانتخابات بأنها “منخفضة الإقبال وغير شرعية”، داعياً البرلمان القبرصي التركي إلى الانعقاد الفوري لإعلان رفض العودة إلى صيغة “الفيدرالية الثنائية” مع الشطر الجنوبي، واتخاذ قرار بالانضمام الرسمي إلى تركيا. واعتبر أن النتيجة تمثل “تراجعاً عن المسار الوطني الذي بدأ عام 1974”، في إشارة إلى التدخل العسكري التركي في الجزيرة بعد الانقلاب المدعوم من أثينا.
إرهرمان يؤكد احترامه لأنقرة ويدعو إلى استئناف مفاوضات التوحيد
من جانبه، أكد الرئيس المنتخب طوفان إرهرمان أن فوزه “انتصار مشترك لكل القبارصة الأتراك”، مشدداً على أن علاقاته مع أنقرة “راسخة”، وأن أي سياسة خارجية في قبرص التركية “لن تُرسم من دون التشاور مع تركيا”.
إرهرمان، البالغ من العمر 55 عاماً، محامٍ من مواليد نيقوسيا وتخرج من جامعة أنقرة، ويُعرف بموقفه المؤيد لإعادة إطلاق المفاوضات مع القبارصة اليونانيين حول إقامة دولة اتحادية مشتركة. وقد شارك سابقاً في مفاوضات الوحدة بين عامي 2008 و2010، وتولى رئاسة الحكومة في شمال قبرص بين 2018 و2019.
تتار يرفض الفيدرالية ويدافع عن نموذج الدولتين
أرسين تتار، الذي خسر الانتخابات بنسبة قاربت 36 بالمئة، كان قد جعل من “الاعتراف الدولي بجمهورية شمال قبرص” تحت نموذج الدولتين محور حملته الانتخابية. وشدد على أنه لن يعود إلى طاولة التفاوض “ما لم يتم ضمان الرحلات المباشرة والتجارة المفتوحة والتواصل المباشر مع العالم”.
تتار، الذي تولى الرئاسة منذ عام 2020، كان يحظى بدعم مباشر من أنقرة، حيث شهدت الحملة الانتخابية زيارات متكررة لسياسيين أتراك بارزين، بينهم وزيرا الداخلية والدفاع السابقان سليمان صويلو وخلوصي أكار، ما أثار اتهامات بالتدخل التركي في الشؤون الانتخابية القبرصية.
موقف أنقرة: بين تهدئة أردوغان وتصعيد بهجلي
فيما تبنى بهجلي خطاباً متشدداً، اتخذ الرئيس رجب طيب أردوغان موقفاً أكثر هدوءاً، إذ هنأ إرهرمان على فوزه وتمنى “أن تكون النتائج خيراً للبلدين والمنطقة”. هذا الموقف قُرئ في الأوساط الدبلوماسية كرسالة توازن، خصوصاً في ظل الانتقادات الأوروبية للتدخل التركي في العملية الانتخابية.
التحالف الحاكم في تركيا، الذي يجمع حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، بدا منقسماً في تقييم الحدث؛ فبينما دعا بهجلي إلى “ضم رسمي” لقبرص الشمالية، تمسك أردوغان بخطاب “الشراكة الأخوية” الذي يترك الباب مفتوحاً للتعاون مع القيادة الجديدة في نيقوسيا الشمالية.
ردود الفعل في المعارضة التركية
زعيم حزب الشعب الجمهوري، أوزجور أوزيل، هنأ بدوره حزب الجمهوريين الأتراك، واعتبر النتيجة “رسالة ديمقراطية واضحة ضد التدخلات الخارجية”. وأشار إلى أن “القبارصة الأتراك أكدوا استقلال إرادتهم السياسية”، منتقداً ما وصفه بـ“حملة الدعاية الحكومية التركية التي حاولت توجيه نتيجة الاقتراع”.
خلفية تاريخية وجدل مستمر حول السيادة
تعيش قبرص انقساماً جغرافياً وسياسياً منذ عام 1974 عقب التدخل العسكري التركي الذي أعقب محاولة انقلاب يونانية الطابع، وأُعلنت “جمهورية شمال قبرص التركية” عام 1983، لكنها لا تحظى باعتراف دولي سوى من تركيا. الجزء الجنوبي من الجزيرة انضم إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، بينما بقي الشمال معزولاً اقتصادياً ودبلوماسياً رغم المساعدات التركية الواسعة.
تجدد النقاش حول مستقبل الجزيرة بعد إعلان إرهرمان نيته العودة إلى مفاوضات السلام تحت رعاية الأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل تركيا لفرض “نموذج الدولتين الدائم” باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق.

