طرح البروفيسور والباحث في العلوم السياسية، ممتازر توركونه، تساؤلات عميقة حول مستقبل السلطة في تركيا، مستندًا إلى ما يصفه بـ”التآكل الداخلي” الذي يعاني منه النظام الحاكم، وليس بفعل ضغط المعارضة.
في مقاله المنشور في The Turkish Post، لفت توركونه الانتباه إلى ظاهرة “التآكل”، وهو مصطلح نشأ في القرن التاسع عشر، ويعبر عن الانهيار الناجم عن التفسخ الداخلي، معتبرًا أن تركيا تعيش هذه الظاهرة اليوم.
فساد متزايد دون مساءلة
شهدت السنوات الأخيرة سلسلة متزايدة من الاتهامات بالفساد ضد الحكومة، بدءًا من التعديلات المتكررة لقانون المناقصات العامة، ومرورًا بمشاريع البنية التحتية التي تضاعفت تكاليفها بشكل لافت، وليس انتهاءً بالملفات المكدسة في وزارة الداخلية دون تحقيق جاد. من بين أبرز القضايا، قضية “مؤسسة يونس أمرة”، التي أثارت جدلاً واسعًا، إلى جانب قضايا أخرى لم يتم التحقيق فيها بجدية.
على الرغم من جسامة هذه الاتهامات، إلا أن السلطة تعاملت معها وكأنها استعراض للقوة، متبنية موقفًا مفاده: “نحن أقوياء لدرجة أنه لا يمكن لأحد المساس بنا”. وهذا ما انعكس على تعاملها مع رؤساء البلديات الذين أقالهم الرئيس أردوغان قبل انتخابات 2019، حيث لم يتم اتخاذ أي إجراءات قضائية بحقهم رغم الاتهامات التي وجهت لهم من قبل الحكومة نفسها.
انتقائية في الملاحقات القضائية
في المقابل، عندما ظهرت ادعاءات فساد ضد شخصيات من المعارضة، لم تلقَ أي صدى يُذكر، ما يشير إلى ازدواجية المعايير في التعامل مع هذه القضايا.
في سياق آخر، تسلط قضية المخرج السينمائي والإعلاني، إيلكر جانيكليغيل، الضوء على نمط آخر من القمع، حيث تم توقيفه بسبب منشور على منصة “إكس” انتقد فيه “الإسلام السياسي”. ورغم أن انتقاد هذا المفهوم يُفترض أن يكون في إطار حرية التعبير، فإن الإعلام الموالي للسلطة أعاد تفسير المصطلح وكأنه هجوم على “أعضاء الحزب الحاكم” أو حتى “المسلمين بشكل عام”، مما أدى إلى تحريك الادعاء العام بتهمة “التحريض على الكراهية”.
رأى توركونه أن رد الفعل هذا يعكس آلية جديدة من المراقبة المجتمعية، حيث يتم “اصطياد” التصريحات عبر وسائل الإعلام وتحويلها إلى قضايا جنائية وفقًا لاعتبارات سياسية، مما يؤدي إلى تحجيم حرية التعبير وقمع أي انتقاد يطال البنية السياسية القائمة.
سجون تركيا: وجه آخر للواقع السياسي
أشار توركونه إلى أن المعتقلين السياسيين يُحتجزون في جناح خاص داخل سجن سيليفري، حيث خصصت لهم أقسام منفصلة عن السجناء الجنائيين. وصف السجن من الداخل، مشيرًا إلى ظروف الاحتجاز، التي رغم أنها تحسنت مقارنة بفترات سابقة، إلا أن الخدمات الصحية لا تزال تعاني من مشكلات جسيمة، حيث تعرض شخصيًا لتشخيصات طبية خاطئة خلال فترة اعتقاله.
حالة تفكك داخل السلطة
في سياق تحليله للمشهد السياسي، أكد توركونه أن حالة “التفسخ السياسي” التي تعيشها الحكومة هي أكبر تهديد لاستمراريتها، وليس الضغوط التي تمارسها المعارضة. فالرئيس، وفق وصفه، بات يخوض معركته السياسية وحيدًا، دون أن يجد دعمًا حقيقيًا من حلفائه، إذ يبدو أن الدائرة المقربة منه تفضل الصمت بدلًا من تحمل أي مخاطر سياسية.
هل تلوح نهاية مرحلة؟
بحسب توركونه، فإن التاريخ أثبت أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بفعل الضغوط الخارجية، بل كثيرًا ما يكون الانهيار نتيجة لعوامل داخلية، أبرزها الفساد، وغياب المساءلة، وتراجع الدعم الداخلي. ومع تصاعد هذه العوامل في تركيا، يخلص الكاتب إلى أن النظام الحالي قد يكون في طريقه إلى نهاية “لا يمكن تفاديها”، ليس بسبب قوة المعارضة، بل نتيجة التآكل الذاتي.

