شهدت الساحة السياسية في شمال قبرص تطورًا دراماتيكيًا بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي أسفرت عن فوز المرشح طوفان أرهورمان، المعروف بموقفه الداعم لاستئناف مفاوضات الحل الفيدرالي مع نيقوسيا، على حساب الرئيس المنتهية ولايته أرسين تتار، المدعوم بقوة من تحالف حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في تركيا.
الفارق الكبير في النتائج، والذي تجاوز التوقعات بنحو ملحوظ، شكّل صدمة مدوية للأوساط السياسية في أنقرة، خصوصًا وأنّ الحكومة التركية كانت قد سخّرت إمكاناتها السياسية والإعلامية لدعم تتار باعتباره ممثل الخط القومي المؤيد لحل الدولتين وامتدادًا للموقف التركي الرسمي في الملف القبرصي.
خيبة أمل في أنقرة وتصدّع في التحالف الحاكم
يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي ليفند جولتكين أنّ هذه الهزيمة الانتخابية لا تُعدّ خسارة لتتار وحده، بل ضربة مباشرة لتحالف الجمهور الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، إذ فشل التحالف في ترجمة نفوذه السياسي والدبلوماسي إلى مكسب انتخابي حتى في منطقة تُعدّ أقرب ساحات نفوذه الخارجي.
الأدهى من ذلك، بحسب جولتكين، هو الانقسام الذي سرعان ما برز داخل التحالف نفسه عقب ظهور النتائج. ففي حين سارع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تهنئة أرهورمان واحترام الإرادة الديمقراطية للشعب القبرصي التركي، خرج زعيم الحركة القومية دولت بهجلي بتصريحات مثيرة للجدل، دعا فيها البرلمان في شمال قبرص إلى عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات والمضي نحو قرار بالانضمام إلى تركيا، في خطوة وصفها جولتكين بأنها دعوة صريحة لانقلاب سياسي على الشرعية الانتخابية.
بهجلي بين الرفض والانفعال… وأردوغان يوازن الموقف
يُفسر جولتكين هذا الموقف المتشدد من بهجلي بأنه نابع من صدمة سياسية وخوف من فقدان السيطرة على الخطاب القومي الذي يشكّل جوهر تحالفه مع أردوغان. ومع ذلك، فإنّ دعوته إلى تجاهل نتائج الانتخابات بحجة انخفاض نسبة المشاركة، التي بلغت نحو ثلاثة وستين في المئة، تُعدّ سابقة خطيرة حتى بمعايير الخطاب القومي التركي.
ويشير الكاتب إلى أنّ مقارنة نسبة المشاركة الحالية بالانتخابات السابقة تُظهر أنها ضمن المعدلات الطبيعية في شمال قبرص، ما يجعل مبررات بهجلي واهية من الناحية السياسية والقانونية.
في المقابل، اختار أردوغان الهدوء والبراغماتية بإرسال رسالة تهنئة رسمية إلى الرئيس المنتخب، مؤكدًا احترام إرادة الناخبين ومشيدًا بالنضج الديمقراطي الذي أظهره المجتمع القبرصي التركي. خطوة اعتبرها جولتكين بمثابة محاولة لاحتواء الأزمة وقطع الطريق على تصعيد داخلي داخل التحالف.
انعكاسات داخلية ورسائل انتخابية لتركيا
يعتبر جولتكين أن هذه التطورات تمثّل جرس إنذار خطير لتحالف السلطة في تركيا، الذي بدأ يخسر ثقة الناخبين ليس فقط في الداخل، بل حتى في المناطق التي كانت تُعدّ ضمن نطاق نفوذه السياسي المباشر. فالهزيمة في شمال قبرص تأتي بعد سلسلة من الخسائر في الانتخابات البلدية داخل تركيا، ما يعكس تراجع جاذبية التحالف الحاكم أمام تصاعد موجة السخط الشعبي على السياسات الداخلية والخارجية.
كما تكشف الانتخابات عن فشل منهجي في استطلاعات الرأي التي منحت تتار تقدّمًا طفيفًا قبل الاقتراع، بينما أظهرت النتائج النهائية تفوقًا ساحقًا لأرهورمان، ما يعزز الشكوك حول مصداقية مؤسسات الاستطلاع في تركيا ومدى قدرتها على قراءة التوجهات الحقيقية للناخبين، خاصة مع تزايد ما يُعرف بـ«الناخب الصامت» الذي يُعبّر عن رفضه عبر صناديق الاقتراع لا عبر الإجابات على الأسئلة.
مفارقة “الاعتراف بالدولة” ورفض نتائجها
يلفت جولتكين إلى المفارقة التي وقع فيها بهجلي حين دعا إلى تجاهل نتائج الانتخابات في الوقت الذي يطالب فيه العالم بالاعتراف بجمهورية شمال قبرص كدولة مستقلة. فكيف يمكن المطالبة بالاعتراف بدولة لا تُحترم فيها نتائج صناديق الاقتراع؟ هذه الازدواجية، كما يرى الكاتب، تضعف الموقف التركي أمام المجتمع الدولي وتكشف هشاشة الخطاب القومي الذي يدّعي الدفاع عن “السيادة القبرصية التركية” بينما يتعامل معها كملحق سياسي تابع لأنقرة.
توازن هشّ ومستقبل غامض
رغم أن الانقسام الحالي بين أردوغان وبهجلي لا يُتوقع أن يصل إلى حدّ الانفصال السياسي الفوري، إلا أنّه يكشف عن أعمق شرخ في العلاقة بين الطرفين منذ تشكيل التحالف. فبينما يسعى أردوغان إلى ضبط إيقاع السياسة الخارجية في إطار أكثر توازناً، يواصل بهجلي التصعيد بخطاب قومي متشدد يزيد من تعقيد المشهد الداخلي ويضعف صورة التحالف في الداخل والخارج.

