أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من الجدل حول نزاهة الانتخابات في تركيا، بعدما أطلق تعليقاً لاذعاً خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض، قال فيه إن الأخير «يعرف أكثر من أي أحد آخر عن الانتخابات المزورة».
وجاء التصريح في سياق حديث ترامب عن مزاعمه المتكررة بأن نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة سُرقت منه، ليتحول سريعاً إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي داخل تركيا.
خلفيات التصريح وتداعياته
ترامب، الذي أعاد تكرار ادعاءاته بشأن «تزوير» انتخابات 2020 الأمريكية، أضاف وهو يشير إلى أردوغان: «تعرفون أنه يعرف جيداً ما تعنيه الانتخابات المزورة». هذا التصريح لم يُفهم في أنقرة باعتباره مجرد مزحة عابرة، بل أعاد إلى الواجهة ملفاً حساساً طالما شكّل محوراً لصراع سياسي داخلي: مصداقية النظام الانتخابي التركي.
باحثون ومحللون اعتبروا أن كلام ترامب يحمل رسائل مزدوجة، فهو من جهة يعكس موقفاً ضمنياً من الممارسات السياسية في تركيا، ومن جهة أخرى يوحي – بحسب بعض القراءات – بوجود مقايضة غير معلنة بين واشنطن وأنقرة مفادها: التغاضي عن أزمات الديمقراطية في الداخل مقابل المرونة في ملفات السياسة الخارجية.
تاريخ من الانتخابات المثيرة للجدل
مسألة نزاهة الانتخابات ليست جديدة في تركيا، إذ ظلت ترافق مسار حكم حزب العدالة والتنمية منذ سنوات. فقد شكّل استفتاء 2017 الدستوري نقطة تحول مفصلية بعدما مُررت تعديلات منحت الرئيس صلاحيات واسعة، في ظل اتهامات واسعة بالتلاعب، أبرزها استخدام بطاقات اقتراع غير مختومة. المعارضة، وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري، أكدت أن النتائج المعلنة لم تعكس إرادة الناخبين، غير أن الطعون القانونية أُسقطت سريعاً.
ثم تحوّلت انتخابات بلدية إسطنبول 2019 إلى محطة فارقة بعد إلغاء فوز المعارض أكرم إمام أوغلو إثر اعتراضات حزب العدالة والتنمية على ما سماه «مخالفات». لكن الإعادة جاءت بنتيجة عكسية، إذ رسّخت فوز إمام أوغلو بفارق أكبر، لتتحول الواقعة إلى رمز لارتباك السلطة أمام ديناميات الشارع الانتخابي.
بعدها أعادت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية 2023 المخاوف من جديد، حيث اتهمت المعارضة اللجنة العليا للانتخابات بالتلاعب في البيانات وتضخيم أرقام الأصوات لصالح أردوغان وحلفائه. حزب الشعب الجمهوري وثّق فروقات بين المحاضر الأصلية والتقارير الرسمية، فيما أكدت أحزاب أخرى، بينها حزب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب الكردي، أن أصواتاً سُجّلت لصالح حزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان. كما لفتت تقارير منظمات مراقبة دولية مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى وجود مشكلات منهجية تتعلق بالشفافية وتغطية الإعلام المنحاز وإجراءات العدّ والفرز.
قراءة نقدية للمشهد السياسي
يرى منتقدو أردوغان أن هذه السوابق الانتخابية، مضافة إلى تضييق الحريات وملاحقة المعارضين، تكشف عن تآكل مستمر في الضمانات الديمقراطية. اعتقال شخصيات معارضة بارزة، مثل أكرم إمام أوغلو بتهم «فساد» يصفها مراقبون بالمسيسة، يعكس بحسبهم استخدام القضاء كأداة لترسيخ السيطرة السياسية.
المؤرخ السياسي إمراه غولسونار اعتبر في تعليق له أن تصريحات ترامب ليست سوى «تذكير ساخر بأننا ندرك كيف تُدار اللعبة الانتخابية في تركيا، لكننا نلزم الصمت مقابل حسابات سياسية أوسع». بينما يرى الباحث يوسف جان من مركز ستيمسون في واشنطن أن كلام ترامب جاء بمثابة «إقرار علني» بما ظلّت المعارضة التركية تردده منذ سنوات.
التطورات الأخيرة والسياق الراهن
تزامن الجدل مع استمرار المعارضة التركية في توجيه انتقادات حادة للجنة العليا للانتخابات، مطالبةً بإصلاحات تضمن حيادية المؤسسات. في المقابل، تواصل الحكومة الدفاع عن نزاهة الاستحقاقات، مؤكدة أن الطعون والاعتراضات يجري التعامل معها وفق القوانين النافذة. غير أن تقارير محلية ودولية متزايدة تحذّر من أن استمرار هذه الشكوك قد يعمّق حالة الاستقطاب السياسي ويقوّض الثقة في العملية الديمقراطية، خصوصاً مع اقتراب الاستعدادات للانتخابات البلدية المقبلة.

