سجلت الموازنة المركزية للحكومة التركية عجزًا قدره 980.5 مليار ليرة تركية (ما يعادل24.3 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2025، وفق بيانات رسمية نقلتها وكالة (IHA) التركية يوم الثلاثاء.
ويُعد هذا الرقم تصاعدًا حادًا مقارنةً بنفس الفترة من العام الماضي، مما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
فجوة كبيرة بين الإيرادات والنفقات
خلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو 2025، جمعت الحكومة إيرادات بلغت5.6 تريليون ليرة (نحو 139 مليار دولار)، بزيادة قدرها 46% مقارنةً بالعام السابق. لكن الإنفاق الحكومي ارتفع أيضًا بنسبة 44%، ليصل إلى6.58 تريليون ليرة (ما يعادل163 مليار دولار)، مما أدى إلى فجوة مالية كبيرة بين المدخولات والمصروفات.
أما في شهر يونيو وحده، فقد بلغت إيرادات الدولة909.4 مليار ليرة، مقابل إنفاق قدره 1.24 تريليون ليرة، ما أسفر عن عجز شهري قيمته 330.2 مليار ليرة (حوالي 8.3 مليار دولار).
مدفوعات الفائدة: عبء ثقيل على الخزينة
تُعد مدفوعات الفائدة على الدين العام أحد أبرز مصادر الضغط على الموازنة. ففي يونيو وحده، دفعت تركيا275.7 مليار ليرة (نحو 6.8 مليار دولار) كفوائد، بينما بلغ إجمالي هذه المدفوعات في النصف الأول من العام أكثر من 1.1 تريليون ليرة )ما يعادل27.3 مليار دولار) — أي ما يشكل 17% من إجمالي الإنفاق الحكومي).
ووفق البيانات، لو تم استبعاد مدفوعات الفائدة من الحسابات، لانخفض العجز في يونيو إلى 54.5 مليار ليرة فقط (حوالي 1.3 مليار دولار)، ما يكشف حجم التأثير المباشر لتكاليف الاقتراض على الوضع المالي للدولة.
الضرائب: المصدر الرئيسي للإيرادات
ظلت الضرائب تشكل العمود الفقري للإيرادات الحكومية، حيث ارتفعت بنسبة 49% على أساس سنوي لتبلغ4.77 تريليون ليرة (نحو 118 مليار دولار) خلال النصف الأول من 2025.
ويعود جانب كبير من هذا الارتفاع إلى زيادة الضرائب غير المباشرة، مثل الرسوم المفروضة على الوقود والكحول وسلع الاستهلاك الأخرى.
ومنذ توليه منصب وزير المالية في يونيو 2023، يسعى محمد شيمشك إلى رفع الإيرادات عبر حزم ضرائب جديدة وخطط تقشفية، لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وفي مايو 2024، أطلقت الوزارة خطًا ساخنًا مخصصًا للإبلاغ عن التهرب الضريبي في محاولة لتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال.
التضخم وتدهور العملة يزيدان المشهد قتامة
تأتي أزمة الموازنة في وقت تُكابد فيه الأسر التركية موجة غلاء خانقة.
بحسب الأرقام الرسمية، بلغ معدل التضخم السنوي 35% في يونيو، فيما تشير مجموعة مستقلة من الاقتصاديين (ENAG) إلى أن المعدل الحقيقي تجاوز 68%.
وفي السياق ذاته، فقدت الليرة التركية أكثر من 75% من قيمتها مقابل الدولار منذ عام 2021، وتجاوزت مؤخرًا عتبة 40 ليرة مقابل الدولارلأول مرة في التاريخ، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الواردات وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
الفائدة المرتفعة رغم الخطاب السياسي المعاكس
رغم التصريحات المتكررة للرئيس رجب طيب أردوغان التي ترفض رفع أسعار الفائدة، مستندًا إلى مواقف دينية بقوله: “بصفتي مسلمًا، سأقوم بما تقتضيه الشريعة”، إلا أن الواقع المالي فرض نفسه.
فقد استمرت مدفوعات الفائدة في استنزاف جانب كبير من الموازنة العامة، ما يناقض نهج “الفائدة صفر” الذي تبناه أردوغان سابقًا.
وقد ثبت البنك المركزي التركي سعر الفائدة الأساسي عند 46% في يونيو، بعد أن قام في أبريل برفعه من 42.5%، وذلك في محاولة لكبح التضخم واستقرار الأسواق، خصوصًا عقب التوترات السياسية التي أثارتها قضية اعتقال رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو في مارس 2025، والتي هزّت ثقة المستثمرين.

