في تحليل لافت للانتباه حول التحولات الجيوسياسية في أوروبا، اعتبر المفكر الروسي البارز ألكسندر دوغين أن أوروبا لم تعد تحت الحماية الأمريكية، وتتحرك بخطى ثابتة نحو تأسيس تحالف عسكري خاص بها.
جاء ذلك في تعليق دوغين على مداخلة الضابط الليتواني أندريوس كوبليوس خلال منتدى “Conversations Tocqueville”، حيث أشار إلى أن قادة أوروبا يدركون اليوم أن مظلة واشنطن لم تعد مضمونة، ويسعون لصياغة استراتيجية دفاعية منفصلة عن الإرادة الأمريكية.
(MAGA) من منظور روسي: “القلعة الأخيرة” للهوية الأمريكية
وفقًا لدوغين، فإن انتقادات كوبليوس لحركة “اجعلوا أمريكا عظيمة مجددًا” (Make America Great Again) (MAGA) تعبّر عن صراع أعمق بين رؤيتين عالميتين: أولاهما تمثلها العولمة الليبرالية والتي يسميها دوغين بـ”النازية الليبرالية”، وثانيهما الروح المحافظة لحركة ترامب، التي يعتبرها آخر معقل للتماسك الأمريكي في مواجهة تغوّل القيم العالمية ما بعد الحداثية.
يرى دوغين أن انكفاء ترامب عن أوروبا وتوجيه اهتمامه نحو منطقة الهند والمحيط الهادئ، قد دفع القارة العجوز إلى تبني مشروعها الخاص للهيمنة، والذي يسميه “Pax Europea”، على غرار مفاهيم “Pax Americana” و”Pax Russica” و”Pax Sinica”.
أوروبا تدفع بأوكرانيا نحو الخطوط الأمامية
دوغين يسلّط الضوء على تصريح بارز من مداخلة كوبليوس: “الأوكرانيون مستعدون للقتال، أما الأوروبيون فلا”، معتبرا هذا التصريح اعترافًا صريحًا بأن أوروبا تستخدم أوكرانيا كأداة عسكرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها كسر مكانة روسيا كقوة كبرى وجعلها “طبيعية” – بحسب تعبير كوبليوس. ويصف دوغين هذه الاستراتيجية بأنها عدائية بوضوح تجاه روسيا، وتكشف النوايا الغربية لتفكيك المحور الروسي وإبعاده عن مراكز القوة العالمية، على حد تعبيره.
عالم متعدد الأقطاب: نهاية الأحادية الأمريكية
يطرح دوغين تصورًا جديدًا للنظام الدولي، قائمًا على تعدد الأقطاب، تتوزع فيه السيطرة الجيوسياسية بين أربع قوى رئيسية:
- Pax Americana بروح MAGA والمحافظة الأمريكية.
- Pax Russica بقيادة موسكو ومشروعها الأوراسي.
- Pax Sinica تحت زعامة الصين وقيمها المركزية.
- Pax Europea كمشروع ليبرالي جديد بقيادة بروكسل.
وفي هذا السياق، يرى دوغين أن أوروبا تحاول مقاومة التعددية القطبية ظاهريًا، لكنها تجد نفسها مندمجة ضمنها كقوة مستقلة ذات توجهات أيديولوجية راديكالية، تقودها ما يسميه بـ”النازية الليبرالية”.
روسيا أمام معركة مصيرية في أوكرانيا
يرى المفكر الروسي أن أمام روسيا خيارًا واحدًا فقط في ظل هذه المعطيات:الانتصار الكامل في أوكرانيا، ليس فقط لأغراض جيوسياسية، بل لحماية هويتها الحضارية في مواجهة ما يعتبره حملة غربية لإخضاعها ثقافيًا وسياسيًا. ويؤكد أن الاعتراف الأوروبي الصريح بعدم الاستعداد للقتال وتحميل العبء للأوكرانيين يكشف عن حقيقة السياسة الغربية، ويطيح بالخطاب الحقوقي والليبرالي الذي تدّعيه بروكسل، بحسب رأيه.

