في مشهد إنساني يعكس عمق الانتهاكات التي طالت آلاف الأسر التركية، برزت شهادة الشابة التركية “عزيزة” التي سردت تجربتها الشخصية خلال مظاهرة نظمت في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، الثلاثاء الماضي، احتجاجاً على تدهور أوضاع حقوق الإنسان في تركيا.
أسرة مفككة تحت ضربات الاعتقال والفصل
بدأت معاناة عزيزة منذ أن كانت في التاسعة من عمرها، عندما اعتقل والدها بتهمة الصلة بحركة “الخدمة”، وهي التهمة التي طالت عشرات الآلاف عقب محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في 2016. بعد اعتقال الأب، وجدت الطفلة نفسها أمام مسؤوليات تفوق قدرتها، إذ اضطرت أولاً للعناية بشقيقها، ثم بوالدتها فاطمة غورميز، وهي معلمة تم فصلها تعسفياً من عملها، وكانت تعاني من إعاقة سمعية ومرض مزمن.
لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، فقد فقدت عزيزة شقيقها ثم والدتها تباعاً، وكان المشهد الأخير لهما من داخل المشرحة، بحسب روايتها.
تحدي البقاء دون سند
ورغم كل أشكال الفقد والانهيار الأسري، قررت عزيزة ألا تستسلم. تابعت تعليمها الثانوي بنجاح، وفي الوقت نفسه اعتنت باحتياجاتها واحتياجات والدها داخل السجن. تروي كيف كانت تذهب للمدرسة صباحاً وتعود مساء لتتولى شؤون المنزل، وترافق شقيقها إلى المستشفى.
بعد فقدان الأم، وجدت عزيزة نفسها تعيش وحدها في تركيا دون سند أو معيل. تقول إنها بقيت لمدة عامين في بيت مستقر إلى حد ما، أدارته وحدها، وأكملت خلالهما دراستها حتى نالت شهادة الثانوية.
من الغربة إلى الغربة
في السابعة عشرة من عمرها، غادرت تركيا إلى الخارج بمفردها. واليوم، تبلغ التاسعة عشرة، وقد تمكنت من اللقاء بوالدها بعد فراق دام سنوات، إلا أن الظروف ما زالت غير مستقرة. “هو في مكان، وأنا في مكان آخر”، هكذا لخّصت واقعها الحالي.
شاركت عزيزة في مظاهرة ستراسبورغ ليس فقط لتحتج، بل لتحكي قصتها أمام العالم، ولتكون صوتاً لآلاف الأطفال الذين خاضوا تجربة مماثلة دون أن يسمع عنهم أحد. وتختم كلمتها برسالة مؤثرة: “اليوم انضممت إليكم… أحاول أن أكون سعيدة قدر المستطاع. أتمنى لكم جميعاً التوفيق، وسأكون ممتنة إذا لم تتركوني وحدي أيضاً.”
السياق الأوسع: ما وراء القصة الفردية
تأتي شهادة عزيزة ضمن سلسلة من الروايات المؤلمة التي تكشف عن الثمن الإنساني الباهظ لحملة الاعتقالات والفصل الجماعي التي تلت محاولة الانقلاب المزعومة في تركيا عام 2016. وتشير منظمات حقوقية دولية إلى أن آلاف الأطفال حرموا من أحد أو كلا الوالدين بسبب السجن أو الإبعاد، ما خلق جيلاً كاملاً يعيش تبعات “الإرهاب السياسي” بمعناه العائلي والوجداني.

