في خطوة دبلوماسية ذات دلالات سياسية عميقة، يتوجه غدا الأحد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة، في أول زيارة من نوعها لوزير سعودي منذ احتلال الضفة عام 1967.
الزيارة، وإن بدت في ظاهرها دعمًا رمزيًا للرئيس الفلسطيني محمود عباس، تأتي في سياق إقليمي ودولي معقد، وتُعد بمثابة اختبار للموقف السعودي من ملف التطبيع مع إسرائيل وفرصة لتقييم واقعية حل الدولتين في ضوء المعطيات الحالية، وفقا للتقرير الذي نشرته صحيفة “العرب” اللندنية.
زيارة استثنائية في توقيت حساس
يتزامن هذا التحرك مع تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في الضفة الغربية، حيث تواصل تل أبيب سياسة التوسع الاستيطاني والتطهير العرقي، إلى جانب حرب مدمرة على قطاع غزة. كما تأتي الزيارة وسط عزلة سياسية متزايدة تعيشها القيادة الفلسطينية، ما يجعلها محاولة لإعادة إدماج السلطة في المشهد الإقليمي.
تطبيع “عبر الضفة”: رسالة رمزية مزدوجة
رغم الطابع الرسمي للزيارة، فإنها تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تشكّل مدخلًا غير مباشر لكسر الحواجز مع إسرائيل، خاصة أن دخول الوزير السعودي إلى الضفة تم، حُكمًا، عبر تنسيق إسرائيلي. وهذا ما يجعل الزيارة تحمل طابعًا رمزيًا يلامس خطوط التطبيع، دون أن يُعلن ذلك صراحة.
كما تتيح الزيارة للسعوديين معاينة الواقع السياسي والأمني على الأرض، بما يشمل التوسع الاستيطاني، ووجود الجيش الإسرائيلي، وتقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية، والتضييق على المسجد الأقصى.
وفد عربي رفيع لتحضير مؤتمر دولي للسلام
يرافق الوزير السعودي وفد وزاري عربي ضم وزراء خارجية مصر (بدر عبد العاطي)، والأردن (أيمن الصفدي)، وقطر (الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني)، والإمارات (الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان). وتهدف الزيارة إلى تحضير مؤتمر دولي للسلام تستضيفه الأمم المتحدة في نيويورك يوم 18 يونيو، برعاية فرنسية سعودية، ويُتوقع أن يكون منصة لدفع فكرة “حل الدولتين” قدمًا، لا سيما بعد اعتراف 150 دولة تقريبًا بفلسطين.
التطبيع مقابل الدولة الفلسطينية: شرط سعودي واضح
رغم أن السعودية بدأت محادثات مع واشنطن العام الماضي تضمنت إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل في إطار “اتفاق أمني” ودعم لبرنامجها النووي المدني، إلا أن الرياض تُصرّ على ربط أي خطوة تطبيعية بإقامة دولة فلسطينية. هذا الموقف يجعل من إمكانية التوصل لاتفاق في الظروف الحالية، في ظل رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحل الدولتين، أمرًا صعب التحقق.
زيارة تسبق مؤتمرات واعترافات دبلوماسية
الزيارة تأتي أيضًا في سياق تزايد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. ففي مايو 2024، اعترفت كل من أيرلندا، والنرويج، وإسبانيا بفلسطين، ولحقت بها سلوفينيا لاحقًا. كما ألمح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى احتمال اعتراف بلاده رسميًا خلال مؤتمر نيويورك، في موقف يُتوقع أن يؤدي إلى اعتراف دولي أوسع، وسط تزايد العزلة الدبلوماسية لإسرائيل بسبب الحرب على غزة.
زيارة ترامب والتذكير باتفاقيات أبراهام
تُذكر الزيارة أيضًا بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للرياض منتصف مايو، حين عبّر عن “أمله الكبير” في أن تنضم السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، التي وقعتها الإمارات، والبحرين، والمغرب خلال ولايته الأولى. إلا أن السعودية لا تزال تفضل التريث وربط التطبيع بالتقدم نحو حل شامل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
السياق الإنساني: غزة تحت الحصار والمجاعة تلوح بالأفق
تحلّ الزيارة في ظل تحذيرات أطلقتها الأمم المتحدة من أن جميع سكان قطاع غزة يواجهون خطر المجاعة، بعد حصار إسرائيلي خانق أدى إلى نقص كارثي في الغذاء، والماء، والدواء. وهذا السياق يزيد من زخم التحركات العربية والدولية لإحياء العملية السياسية وإنهاء دوامة العنف.

