في تطور جديد يعكس حساسية الملف الكردي في تركيا، تم إعفاء محافظ ولاية تونجلي، الواقعة شرقي البلاد، ذات الأغلبية الكردية، من منصبه وإعادة تعيينه في وزارة الداخلية بأنقرة، وذلك على خلفية مزاعم حول رفضه الموافقة على تنظيم فعالية تأبينية لقياديين بارزين في حزب العمال الكردستاني (PKK)، المحظور في تركيا.
هذه الواقعة، التي لم تؤكدها السلطات بشكل رسمي، تثير تساؤلات حول مدى اتساق التوجهات الحكومية في ظل المفاوضات المستجدة مع الحزب وقياداته، وعما إذا كانت المؤسسات المحلية تدفع ثمن التباينات السياسية.
محافظ تونجلي يرفض التعليمات ويطلب إعفاءه من المنصب
ذكرت وسائل إعلام تركية أن المحافظ بولنت تكبييك أوغلو قدّم طلباً بإعفائه من منصبه بتاريخ 19 مايو، عقب صدور توجيهات من العاصمة أنقرة تطلب منه السماح بتنظيم مراسم تأبينية في 17 مايو لاثنين من أبرز قيادات حزب العمال الكردستاني، وهما علي حيدر كايتان ورضا ألتون.
الصحفي أليجان أولوداغ من قناة NOW TV أكد أن المحافظ رفض تنفيذ هذه التوجيهات واعتبرها “غير مقبولة”، وأعلنت وزارة الداخلية من جانبها، في بيان مقتضب يوم الأربعاء أن تكبييك أوغلو قد أعيد تعيينه في الوزارة، دون ذكر الأسباب أو التعليق على المزاعم المتعلقة بالمراسم.
خلفية الفعالية: رمزية مزدوجة في لحظة سياسية حرجة
الفعالية التي أثارت الجدل جاءت بعد إعلان حزب العمال الكردستاني في 12 مايو نيته تفكيك نفسه والتخلي عن العمل المسلح، استجابةً لمفاوضات جارية مع زعيمه المسجون عبد الله أوجلان.
في ذات الإعلان، أكّد الحزب لأول مرة مقتل كل من كايتان وألتون، اللذين كانا من كبار قياداته، بين عامي 2018 و2019، وشهدت عدة مناطق ذات غالبية كردية فعاليات تأبينية عقب الإعلان، من بينها الفعالية في تونجلي، التي تسربت صورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأثارت موجة من الانتقادات من قبل شخصيات ومؤسسات موالية للحكومة.
مسار المحافظ في تونجلي: إدارة انتقالية بعد عزل رئيس البلدية المنتخب
كان تكبييك أوغلو قد تولى منصب محافظ تونجلي في أغسطس 2023، وفي نوفمبر 2024 عُيِّن وصياً حكومياً على بلدية المدينة بعد إقالة رئيسها المنتخب جودت كوناق المنتمي لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM)، بتهم مرتبطة بالإرهاب.
المحافظ المُقال كان يُنظر إليه كأداة لضبط الأداء المحلي وفق توجهات الحكومة المركزية، إلا أن التطور الأخير يكشف عن هامش استقلال نسبي رفض من خلاله الانخراط في فعالية ذات دلالات سياسية عميقة. حالياً، يتولى نائب المحافظ أرتوغْرول أصلان إدارة شؤون الولاية مؤقتاً.
البعد السياسي: السلام مع الكرد في مهب التجاذبات الداخلية
الجدل المرتبط بهذه الفعالية لا يمكن فصله عن المناخ السياسي الذي خلقته دعوة مفاجئة أطلقها زعيم حزب الحركة القومية اليميني دولت بهجلي في أكتوبر الماضي، دعا فيها إلى منح عبد الله أوجلان “حق الأمل” أي إمكانية الإفراج المشروط في حال تخلّيه عن الإرهاب، مما دفع حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح والدخول في تسوية سياسية.
الرئيس رجب طيب أردوغان أيد هذه الدعوة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها مناورة سياسية لامتصاص التوتر الداخلي، أو تحضير لمبادرة سلام محتملة.
الحدث يكشف هشاشة المسارات السياسية الهشة في ملف الأكراد
رغم الزخم الظاهري للمفاوضات الجارية مع الكرد، يُظهر إعفاء المحافظ مدى الهشاشة المؤسساتية للتعامل مع ملف بهذا التعقيد. فالمواقف من رموز تاريخية مثل كايتان وألتون ما زالت تشكل خطاً أيديولوجياً أحمر لدى دوائر الحكم، رغم تحولات اللغة السياسية في القمة.
هذا التطور يُلقي بظلال من الشك على جدية المبادرات السياسية، ويُبرز التناقض بين الخطاب المركزي والتطبيقات الميدانية.

