في ظل تحولات جذرية تشهدها الساحة السورية عقب الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، أعلنت الولايات المتحدة وتركيا عن تجديد التزامهما بالتنسيق المشترك حول الملف السوري، في خطوة تعكس رغبة البلدين بإعادة ضبط مواقفهما السياسية والأمنية، واستثمار مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري لبناء استقرار إقليمي طويل الأمد.
إعلان مشترك في واشنطن: رؤية موحدة لسوريا مستقرة وموحدة
عُقدت جلسة جديدة من “مجموعة العمل المشتركة حول سوريا” في العاصمة الأمريكية واشنطن، ترأسها من الجانب الأمريكي نائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، ومن الجانب التركي نائب وزير الخارجية نُوح يلماز، بحضور سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس باراك جونيور، وسفير تركيا في واشنطن سادات أونال.
في ختام الاجتماعات، صدر بيان مشترك يؤكد الالتزام برؤية “سوريا مستقرة وموحدة” تحترم سيادتها الإقليمية، ورفض استخدام الأراضي السورية كملاذ آمن للجماعات الإرهابية، وتعزيز التنسيق الأمني، لا سيما في المناطق الحدودية، ومعالجة ملف اللاجئين السوريين وضمان عودتهم الطوعية الآمنة.
سقوط الأسد: منعطف مفصلي في تاريخ سوريا الحديث
أعلنت قوى المعارضة المسلحة، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام والجيش الوطني السوري المدعوم من أنقرة، في ديسمبر، نجاحها في السيطرة على العاصمة دمشق بعد هجوم خاطف، ما دفع الأسد إلى الفرار وطلب اللجوء في روسيا، منهياً بذلك أكثر من خمسين عاماً من حكم عائلة الأسد.
لقد مثّل الحدث منعطفاً فارقاً في الصراع السوري الممتد منذ عام 2011، حيث تشكلت حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، وهي الآن تسعى لترسيخ الأمن وتوحيد البلاد، إلا أن الحكومة الانتقالية لا تزال تواجه تحديات جسيمة، أبرزها التوترات الطائفية وتوزيع السلطة بين مكونات المجتمع السوري المتعددة.
تركيا والولايات المتحدة: تنسيق في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية
العلاقات التركية الأمريكية بشأن سوريا شابها التوتر، خصوصاً بسبب التباين في المواقف تجاه القوات الكردية، إذ تعتبر تركيا “وحدات حماية الشعب” الكردية (العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية – SDF) منظمة إرهابية، بينما تراها الولايات المتحدة حليفاً حيوياً في محاربة تنظيم “داعش”.
وعلى الرغم من هذا التباين، أكدت واشنطن وأنقرة نيتهما فتح صفحة جديدة من التنسيق الأمني والسياسي بعد مرحلة الأسد، بهدف ضمان عدم ظهور فراغ أمني أو تمدد للفصائل المتشددة.
اللاجئون السوريون: ملف شائك على طاولة التنسيق
تطرق البيان المشترك إلى أزمة اللاجئين السوريين، حيث تستضيف تركيا أكثر من 3 ملايين لاجئ، ما يجعلها أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم، مؤكدا على ضرورة خلق ظروف “ملائمة وآمنة” تسمح بعودة السوريين طوعاً، علما أن هذا الملف يشكل ضغطاً سياسياً داخلياً متزايداً على الحكومة التركية، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الشعبوي المعادي للاجئين.
خامساً: رفع العقوبات: دعم غربي لإعادة إعمار سوريا
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع الماضي رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تهدف إلى دعم المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار، كما أن الاتحاد الأوروبي أعلن نيته اتباع الخطوة الأمريكية والإعلان رسمياً عن رفع العقوبات خلال اليوم.
تأتي هذه الخطوات بعد 14 عاماً من الحرب خلفت أكثر من 500 ألف قتيل، ودماراً هائلاً في البنية التحتية.

