قدم البروفيسور ممتازَر توركونه في مقال له على موقع “ميديا سيكوب” التركي تحليلاً للمشهد السياسي التركي، مشيراً إلى أن البلاد تعيش مرحلة تحوّل بنيوي يسير ببطء ولكن بثبات، حيث بدأت بوادر مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والتسويات التاريخية، تستند إلى تغيير النظام السياسي وإعادة تعريف العلاقة مع القضية الكردية، في ظل انهيار أساليب القمع القديمة بعد عملية 19 مارس حيث اعتقل رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
المشهد السياسي يتحرك: “الموكب غير المنظم” نحو التحول
شبه توركونه المرحلة الحالية بموكب غير منظم ولكنه يتحرك إلى الأمام. وبرغم الفوضى الظاهرية، فإن انسجامًا دقيقًا يربط خطوات القوى السياسية المختلفة، مثل المقترح السياسي الذي طرحه زعيم المعارضة أوزغور أوزال بأن يتولى منصور يافاش الرئاسة وأكرم إمام أوغلو رئاسة الحكومة في حال العودة للنظام البرلماني.
صدمة 19 مارس: سقوط النموذج السلطوي
عملية 19 مارس مثلت لحظة فاصلة، بحسب توركونه، حيث انكشفت فيها محدودية النظام السلطوي، فلم يبق من نتائجها سوى بعض المعتقلين السياسيين في قسم 9 من سجن سيليفري. أما المعارضة، فقد استعادت زمام المبادرة، بينما أصبح موقف النظام أضعف من أن يفاوض.
نهاية “التمرين السلطوي” وميلاد البديل الديمقراطي
طوال سنوات، اعتادت السلطة أن تتجاوز القوانين وتفرض أمراً واقعاً: اعتقالات، وقمع، وصفقات مشبوهة، ثم النسيان. ورافق هذا “تمرين الترويض” استقطاب سياسي حاد. لكن مع عملية 19 مارس، بحسب توركونه، “انقلب القدر”، وانكشف خواء منظومة الحكم.
لا مجال للمناورات بعد الآن
شدد توركونه على أنه لم يعد هناك “بضاعة سياسية” قابلة للمساومة، فما ينتظر تركيا الآن هو نقاش جاد حول العودة للنظام البرلماني وتفكيك نظام الفرد.
جوهر التحول: نهاية التمرد الكردي
رأى توركونه أن المرحلة المعروفة في أدبيات الدولة بـ”التمرد الكردي” المستمر منذ 41 عاماً قد انتهت فعلياً. تنظيم حزب العمال الكردستاني يسعى اليوم إلى “تسليم السلاح بشكل مشرّف”، ويحرص على انتقاء الكلمات بعناية، مدعوماً بإشارات تصالحية من زعيمه المسجون عبد الله أوجلان.
الداخل يتغير… ولكن سوريا هي الزنبرك
سياق “السيرورة” السياسية في الداخل التركي مرتبط عضوياً بما يجري في سوريا. وأشار توركونه إلى مؤتمر “الوحدة والموقف المشترك” الذي عقد في قامشلي بمشاركة ممثلين عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) والحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP)، كامتداد لمحاولات سابقة بوساطة أمريكية وفرنسية لجمع الأطراف الكردية السورية (PYD وENKS) على رؤية موحدة.
الفيدرالية واللامركزية: حساسية أنقرة ودمشق
لفت توركونه إلى أن أي إشارة للفيدرالية تثير قلق أنقرة ودمشق، بينما يُستخدم مصطلح “اللامركزية” بديلاً أكثر قبولاً، مع مقترحات تدعو إلى جيش وطني موحد في سوريا، مقابل قوات شرطة محلية في المناطق الكردية، وهو ما يشكل بذور نظام سياسي جديد.
تركيا مطالبة بلعب دور الوسيط لا الخصم
أكد توركونه أن الأكراد في سوريا هم امتداد ثقافي واجتماعي للكرد في تركيا، واللغة السياسية بين الطرفين واحدة، ما يُحتّم على أنقرة أن تكون الوسيط في تسوية القضية الكردية في سوريا، لا أن تترك هذا الدور لأطراف غربية.
مركز الحالة: ديار بكر
زيارة إلى المدينة تعيد الأمل
شارك توركونه في فعالية لمعهد ديار بكر للأبحاث السياسية والاجتماعية (DİSA) في ديار بكر نهاية الأسبوع، وأبدى انطباعاً إيجابياً عن الأجواء هناك، حيث لمس رغبة لدى السكان في تجاوز الماضي المؤلم، والاستعداد للسلام.
التصريحات العنصرية تضر الجميع
انتقد توركونه بشدة تصريحات زعيم حزب الاتحاد الكبير مصطفى دستيجي ضد الحزب الكردي، واعتبرها خطاباً ساماً يستهدف الناخبين أيضاً، لا الحزب فقط، مطالباً بإسقاط هذا النوع من الخطاب السياسي.
الأساس: مصالحة نفسية لا مجرد تفاهمات سياسية
نوه توركونه بأن الحل لا يكمن في اتفاقيات أو بيانات مكتوبة، بل في تهيئة مناخ نفسي عام قائم على احترام متبادل، وثقة متبادلة، وشعور بالعدالة. في هذا السياق، استشهد بأقوال الراحلين السياسي القومي ألب أرسلان توركش والمفكر المعروف ضياء غوك ألب، التي تؤكد وحدة المصير رغم التنوع العرقي.
سؤال محوري: لماذا توجد السياسة؟
اختم توركونه مقاله بسؤال جذري: ما فائدة السياسة إن لم تُحل القضايا البنيوية للدولة؟ فالقضية الكردية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، هما المشكلتان الأساسيتان في تركيا اليوم، والسياسة الحقيقية هي التي تعالج هذه الأزمات، لا التي تستثمر فيها.

