في لحظة فارقة تعكس الرؤية الاستباقية للعاهل المغربي الملك محمد السادس في مجال البنية التحتية والنقل المستدام، انطلق مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وهو ما يمثل قفزة نوعية جديدة في قطاع النقل المغربي ويكرّس ريادة المملكة على المستوى الإفريقي في هذا المجال الحيوي.
مشروع طموح يؤسس لمغرب الغد
وقد أعطيت الانطلاقة الرسمية للمشروع يوم الخميس بمحطة الرباط – أكدال، ويهدف إلى إنشاء خط سككي فائق السرعة بطول يُناهز 430 كيلومترا، ليربط مدن القنيطرة، والرباط، والدار البيضاء، ومراكش، مع ربط مباشر بعدد من المطارات والملاعب الرياضية الكبرى، في خطوة تستجيب للتحولات الكبرى التي يشهدها المغرب على مختلف الأصعدة.
ويُعد المشروع امتداداً إستراتيجياً للخط الأول فائق السرعة “البراق” الذي تم تدشينه سنة 2018 ليربط مدينة طنجة بالدار البيضاء، مما يعزز شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة في البلاد لتتجاوز 600 كيلومتر عند اكتماله.
مشروع برؤية ملكية… واستعداد لمونديال 2030
يمثل المشروع أحد المحاور الأساسية في خطة الدولة لاستضافة تظاهرة كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، إذ سيُوفر بنية تحتية حديثة قادرة على تيسير تنقل الجماهير بين المدن الكبرى في زمن قياسي، كما سيسهم في ربط مطار محمد الخامس الدولي بمدينة الرباط في 35 دقيقة، وتوفير خدمة مباشرة نحو الملعب الجديد في بنسليمان، إضافة إلى تقليص مدة السفر بين طنجة ومراكش إلى أقل من 3 ساعات.
استثمار ضخم من أجل المستقبل
بلغت تكلفة المشروع حوالي 53 مليار درهم (5.7 مليار دولار)، ضمن برنامج وطني استثماري أشمل تصل كلفته إلى 96 مليار درهم (نحو 10.3 مليارات دولار). ويشمل هذا البرنامج اقتناء 168 قطاراً حديثاً وتجديد الأسطول السككي للمكتب الوطني للسكك الحديدية، إلى جانب تطوير خدمات القرب الحضري في الدار البيضاء، والرباط، ومراكش.
شراكة مغربية – فرنسية… ونموذج يحتذى به
جاء إنجاز هذا الخط في إطار شراكة بين المكتب الوطني للسكك الحديدية المغربي وشركة ألستوم الفرنسية، وقد أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذه الخطوة، مؤكداً أن التعاون الثنائي “يحرز تقدماً سريعاً”، ومثمّناً ما تحقق من شراكات منذ زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر الماضي.
قطارات عالية السرعة… وكفاءة بيئية متقدمة
تم تصميم الخط الجديد ليعمل بسرعة تصل إلى 350 كيلومتراً في الساعة، مع اعتماد تجهيزات تكنولوجية متطورة توفر أعلى معايير السلامة والراحة، وهو ما يُمثل تجسيداً عملياً لهدف المملكة في التحول إلى اقتصاد مستدام، من خلال تشغيل القطارات بطاقة الهيدروجين الأخضر، في إطار رؤية وطنية شاملة للتحول الطاقي.
وفي هذا السياق، أكد لوسيانو بورخيس، مدير قطب المعدات بالمكتب المغربي للسكك الحديدية، أن المشروع سيُعيد رسم شبكة السكك الحديدية الوطنية، من حيث السرعة وجودة الخدمات والاستدامة، بما ينسجم مع أهداف المغرب البيئية والاقتصادية، وفق التقرير الذي نشرته صحيفة “العرب” اللندنية.
قطارات القرب الحضري… خدمة مستدامة للمواطنين
أحد أبرز جوانب المشروع يتمثل في تطوير قطارات القرب الحضرية، التي ستستجيب لحاجيات التنقل الجماعي في المدن الكبرى الثلاث، الرباط، والدار البيضاء، ومراكش. وستوفر هذه الخدمة الجديدة مواعيد دقيقة، وقدرة استيعابية عالية، مع تخفيف الضغط على وسائل النقل الأخرى.
بُعد اقتصادي وسياحي واجتماعي
بحسب تقرير صحيفة العرب، يرى خبراء، من ضمنهم رشيد ساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة، أن المشروع سيساهم بشكل مباشر في تحفيز الاقتصاد المغربي، لاسيما من خلال دعم قطاعي صناعة السيارات والطائرات، وتحسين الربط اللوجستيكي بـميناء طنجة المتوسط، وتسهيل حركة البضائع والمسافرين.
كما يُرتقب أن يكون للمشروع أثر إيجابي كبير على القطاع السياحي، لما يوفره من سرعة في التنقل بين المدن والمواقع السياحية، مما سيعزز جاذبية المغرب كوجهة دولية، خصوصاً مع التوسع الموازي في شبكات الطرق السيارة وإنشاء مناطق صناعية جديدة.
المغرب يقود إفريقيا نحو نقل مستدام وحديث
يثبت المغرب من خلال هذا المشروع أنه ليس فقط البلد الإفريقي الوحيد الذي يمتلك قطاراً فائق السرعة، بل أيضاً الأكثر طموحاً واستشرافاً للمستقبل في مجال البنية التحتية والنقل المستدام.
وتأتي هذه المبادرة الملكية ضمن رؤية بعيدة المدى، تُعيد رسم الخريطة التنموية للمملكة، وتكرّس مكانتها كقاطرة للتحديث في إفريقيا.

