في إطار سعيهم لتعزيز التضامن والدعم الإعلامي، نظّم “اتحاد الصحفيين الدوليين” (IJA)، ومقرّه ألمانيا، فعالية سنوية لجمع التبرعات، شارك فيها عدد من الصحفيين الأتراك المقيمين في المنفى، وذلك يوم السبت، بهدف تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الإعلام المستقل خارج تركيا، في ظل تزايد الضغوط والقيود المفروضة على حرية التعبير داخل البلاد.
وقد تضمّن البرنامج، الذي تم بثه مباشرةً لجمهور عالمي، كلمات مؤثرة، ومداخلات إعلامية حيّة، وعروضاً وثائقية، فضلاً عن نداءات لدعم الصحافة المستقلة، في وقتٍ أكّد فيه المنظمون أنّ أكثر من 100 شخص عملوا خلف الكواليس لإنجاح الحدث الذي استمر لعدة ساعات.
وخلال مداخلاتهم، شدّد المتحدثون على الدور الحيوي الذي يؤديه الصحفيون المنفيون في نقل الحقيقة ومواصلة العمل الصحفي رغم شح الموارد وتنامي الرقابة الرقمية. كما دعوا الجمهور إلى المساهمة بدعم مالي شهري عبر آلية تبرع مبسطة بثلاث خطوات متوفرة عبر الإنترنت، مشيرين إلى أنّ الجمعية تهدف هذا العام إلى الوصول إلى 3,000 متبرع شهري، بزيادة 1,000 عن العام الماضي.
وأوضح المنظمون أنّ هذا الدعم ضروري لضمان استمرار البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية، وتشغيل المنصات الرقمية، وتنفيذ برامج تدريبية تُمكّن الصحفيين من مواصلة رسالتهم رغم ظروف المنفى. وشهد الحدث تفاعلاً واسعاً من متابعين في أوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها من المناطق، حيث أعربوا عن تضامنهم من خلال رسائل دعم ورسائل مصورة.
وفي هذا السياق، أشار الصحفي الاستقصائي المعروف جَوْهَرِي جوفين، المقيم في ألمانيا، إلى تصاعد القيود المفروضة على المحتوى المستقل عبر المنصات الرقمية، محذراً من أنّ الاعتماد الحصري على خوارزميات غوغل ويوتيوب يُهدد بغياب الصحافة النقدية عن المشهد العام. وكشف جوفين أنه نقل هذه المخاوف إلى مسؤولي الأمم المتحدة خلال شهر مارس الماضي، مطالباً بمساءلة هذه الشركات الرقمية الكبرى.
من جهتها، استعرضت الصحفية التركية المنفية سوِينتش أوزارسلان تجربة شخصية مؤثرة، تمثّلت في تلقيها رسالة من زميل لها داخل السجن بينما كانت تعمل في أحد المخازن بألمانيا، يسأل فيها عما إذا كان هناك من يسعى لدعم المعتقلين في الداخل. وأكّدت أوزارسلان أنّ هذه الرسالة شكّلت نقطة تحوّل في حياتها، دفعتها لتكريس جهودها في الدفاع عن حقوق المعتقلين السياسيين وعائلاتهم.
كما شاركت رئيسة تحرير موقع “Turkish Minute”، فاطمة زيباك، في الفعالية، مبيّنة أهمية نقل الأخبار المستقلة إلى الجمهور الدولي باللغة الإنجليزية، خاصة في ظل التضليل الإعلامي الممنهج الذي تمارسه السلطات التركية ضد المعارضين.
وعُرضت خلال الحفل مقاطع من أفلام وثائقية تناولت مواضيع مثل الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والهجرة القسرية. وقدّم المخرج نَدِم حذار مشروع فيلم قصير جديد، معبّراً عن أمله في تطوير نسخة طويلة منه حال توفر الدعم المالي اللازم. كما تم بث مقطع تشويقي لفيلم “الهجرة الكبرى” (Exodus) للمخرج سركان نهاد، الذي حاز على عدة جوائز في مهرجانات سينمائية دولية، ومن المقرر عرضه عبر منصات البث في شهر مايو القادم.
وفي مداخلة مؤثرة، دعت غونجا كارا، رئيسة مجلس إدارة “متحف التنكيل”، إلى تخصيص مقر دائم لعرض أرشيف المتحف المتزايد، الذي يُوثّق الانتهاكات التي تعرض لها أتباع حركة فتح الله كولن في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. ويعمل المتحف حالياً كمعرض متنقّل، ويسعى لتأسيس فروع ثابتة في ألمانيا والولايات المتحدة.
وأشارت كارا إلى أنها فقدت اثنين من أبنائها نتيجة الحملة الأمنية التي طالت عشرات الآلاف من المنتمين إلى حركة كولن، ولفتت إلى ضرورة الحفاظ على الذاكرة الجماعية من خلال مقتنيات ملموسة تسجّل تلك المرحلة القاتمة من التاريخ التركي المعاصر.
يُذكر أنّ السلطات التركية تتهم حركة كولن، المستلهمة من أفكار فتح الله كولن، بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، وهي تهمة تنفيها الحركة بشدّة. كما أنّ المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم يستجب لمطالب أنقرة بتصنيف الحركة كمنظمة إرهابية، وهو ما يعكس تشكيكاً واسعاً في رواية الحكومة التركية.
وقدّم صحفيون شباب نماذج من مشروعات إعلامية واعدة مدعومة من الجمعية، مثل منصات “NOK Digital” و”Voice” و”Deutsche Bold”، تهدف إلى تقديم محتوى مستقل موجه للجمهور التركي والدولي على السواء.
وفي ختام الفعالية، جدّد المنظمون دعوتهم للتضامن، مؤكدين أنّ الصحافة المنفية لا يمكن أن تستمر دون دعم مالي ومعنوي من جمهورها. كما حذّروا من أنّ استمرار القيود المفروضة على وصول المحتوى المستقل عبر وسائل التواصل يجعل من دعم المجتمعات المحلية شريان حياة لا غنى عنه.
واختُتم البرنامج برسالة عُرضت على الشاشة، حملت عنوان: “معًا… نحن أقوى.”

