تقرير: ياوز أجار
شهدت غزة عاصفة مفاجئة أودت بحياة المئات، وأعلنت حركة “حماس” فقدان عشرات القيادات البارزة في صفوفها، بينهم مسؤولون كبار وعاملون في المجال الإنساني. وعلى الرغم من ذلك، جددت إسرائيل تعهدها بمواصلة العمليات العسكرية حتى إطلاق سراح الأسرى المتبقين وتحقيق ما تصفه بالقضاء التام على “حماس”. وفي موازاة ذلك، صعّدت إسرائيل عملياتها في الضفة الغربية، مستهدفة المخيمات الفلسطينية، ليس فقط بالقتل والتدمير، بل أيضًا بالتهجير المنهجي.
ولا يقتصر نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية، بل يمتد ليشمل غارات يومية على سوريا ولبنان، إلى جانب الدعم الأميركي المباشر في العمليات العسكرية ضد اليمن. ومع تصاعد وتيرة العنف، تضاءلت فرص الحديث عن وقف إطلاق النار، في ظل استمرار التصريحات الإسرائيلية والأميركية التي تبرر العمليات تحت ذريعة مواجهة “أذرع إيران”، بل والتلويح باستهداف إيران ذاتها مستقبلاً.
الاستراتيجية الإسرائيلية: الأمن عبر التفكيك
وفقا للمفكر اللبناني رضوان السيد، في مقاله الأخير بصحيفة الشرق الأوسط، سعت إسرائيل لتحقيق أمنها عبر تحييد أي تهديدات عسكرية محيطة بها، مستندةً إلى استراتيجيتين رئيسيتين: الضربات العسكرية المباشرة، والعمل على تفكيك الدول المجاورة وإضعافها داخليًا. وهذا ما يتضح من تدخلاتها المتعددة، سواء من خلال الضربات العسكرية أو محاولات التأثير على التوازنات السياسية في دول المنطقة.
ورغم أنّ السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب يُفترض أن تركّز على إحلال السلام – ولو كان ذلك على حساب طرف لصالح آخر – فإن الواقع الحالي يعكس انخراطًا أكبر في عمليات التصعيد العسكري. فمن الواضح أن واشنطن تدعم العمليات الإسرائيلية، حيث تكررت التصريحات التي تفيد بأنّ الولايات المتحدة تمنح الضوء الأخضر لكل ضربة عسكرية تشنها إسرائيل، ما يعكس تحالفًا استراتيجيًا غير مشروط.
لكن السؤال الأهم: متى تعتبر إسرائيل أن أمنها قد تحقق؟ الجواب يأتي من الرضوان حيث يقول في ضوء الممارسات الميدانية والتوجهات السياسية، بأن الأمن الإسرائيلي لا يتحقق إلا عبر إضعاف الدول المجاورة وتفكيك قواها العسكرية، بحيث لا يبقى أي تهديد حقيقي على المدى القريب أو البعيد. ومع ذلك، فإن تجربة غزة – حيث استمر الصراع رغم تكرار الضربات الإسرائيلية – تؤكد أن تحقيق هذا الهدف ليس سهلاً، بل قد يكون مستحيلاً.
إيران وأذرعها: بين الأمن القومي والتوسع الإقليمي
ولفت السيد إلى أن إيران اعتبرت منذ عام 2004 أن مشروعها النووي يمثل الضمانة الأهم لأمنها القومي. وفي الوقت ذاته، اعتمدت على “الأذرع الإقليمية” كخط دفاع متقدم، سواء في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن. غير أن هذه الأذرع، التي كانت تُستخدم كأدوات تهديد ضد إسرائيل، بدأت تتراجع عن هذا الدور، وانخرطت بدلاً من ذلك في صراعات داخلية ضمن الدول التي تنشط فيها.
فعلى سبيل المثال، لم يعد “حزب الله” اللبناني يواجه إسرائيل بشكل مباشر، بل تحوّل إلى صراع مع القوى المحلية في لبنان وسوريا. وفي سوريا، تزايدت الاحتكاكات بين الحزب والسلطات الجديدة، حيث اندلعت مواجهات بين قوات الأمن السورية ومقاتلي الحزب على خلفية محاولات الأخير نقل أسلحته من سوريا إلى لبنان، ما أدى إلى سقوط قتلى من الطرفين. وفي اليمن، رغم الضربات الأميركية المتواصلة، يواصل الحوثيون تبني موقف التحدي، معلنين أنهم غير مكترثين بالعاصفة العسكرية الأميركية.
أما على المستوى السياسي، فتشهد الساحة السورية تطورات متسارعة، إذ تسعى الدول الأوروبية إلى تقديم مساعدات إنسانية، لكنها تربط ذلك بضرورة الحفاظ على حقوق الأقليات، ومن بينها العلويون والأكراد، وهو ما يتماشى مع التوجهات الإسرائيلية الساعية إلى تكريس الانقسامات الطائفية في سوريا، وفقا للكاتب اللبناني.
الولايات المتحدة: القوة المطلقة بلا مساءلة
من اللافت في النهج الأميركي الحالي أنه لا يعير اهتمامًا كبيرًا لردود الفعل الإقليمية، انطلاقًا من قناعة واشنطن بأنها القوة المطلقة التي لا يمكن مساءلتها. كما أن الإدارة الأميركية لا تجد حرجًا في التناقض بين تصريحاتها وأفعالها، حيث تُعلن دعم الحلول السلمية، بينما تواصل توجيه الضربات العسكرية في اليمن ودعم إسرائيل في عملياتها ضد غزة ولبنان وسوريا.
وبناءً على ذلك، يؤكد رضوان السيد أن السؤال لم يعد متى ستأمن إسرائيل فحسب، بل أيضًا: متى ستأمن إيران؟ إذ يبدو أن كلا الطرفين يدير معركته وفق استراتيجيات طويلة المدى، تسعى إسرائيل من خلالها إلى تفكيك الدول المحيطة بها، بينما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها عبر وكلائها الإقليميين. لكن وسط هذه المعادلة المعقدة، يبقى السؤال الأكبر: ما مآلات هذه السياسة في ظل استمرار النزاعات دون حل جذري، وما تأثير ذلك على الاستقرار الإقليمي والدولي؟
إسرائيل وإيران: قوتان تتغذيان على بعضهما البعض
وكما يبدو مما سبق فإن التنافس الاستراتيجي بين إسرائيل وإيران في الشرق الأوسط، يساهم كل طرف منهما في تعزيز موقف الآخر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر طوعًا أو كرها. حيث تعتمد كل منهما على تصوير الآخر كتهديد وجودي لتعزيز نفوذهما في المنطقة. فإيران تستخدم الخطاب المعادي لإسرائيل لحشد الميليشيات الشيعية في المنطقة، وتعزيز نفوذها الإقليمي عبر “محور المقاومة” الذي يشمل حزب الله، وحماس، والحوثيين، وغيرهم. وفي المقابل، تستخدم إسرائيل الأنشطة العسكرية الإيرانية كذريعة للحصول على دعم أكبر من الولايات المتحدة والغرب، وتوسيع وجودها العسكري في المنطقة.
وتمارس إيران الضغط على إسرائيل من خلال القوى الوكيلة مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، بينما ترد إسرائيل باستهداف هذه الجماعات والبنية العسكرية الإيرانية، مما يمنح كل طرف مبررًا لمواصلة سياساته الأمنية والعسكرية. وهكذا، تستمر الحلقة حيث يستخدم كل طرف تهديدات الآخر كحجة لتعزيز نفوذه الداخلي والإقليمي.
تأثير الصراع على السياسات الإقليمية والدولية
حلقة الصراع المستمرة بين الطرفين هذه تلعب دورا مهما في مسار سياسات المنطقة، إذ تؤدي السياسات المعادية لإيران التي تتبعها إسرائيل إلى تقارب دول الخليج، مثل السعودية والإمارات والبحرين معها، كما ظهر في اتفاقيات “أبراهام”. وهذا بدوره يزيد من عزلة إيران الإقليمية. وفي المقابل، تستغل إيران هذا الوضع لتعزيز دعمها لحركات “المقاومة” المعادية لإسرائيل، وتعميق علاقاتها مع قوى عالمية مثل روسيا والصين.
كما أن حالة الصراع بين إسرائيل وإيران تؤثر على سياسات الولايات المتحدة والغرب عمومًا، فتهديدات إيران لإسرائيل تبرر استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وزيادة الدعم لإسرائيل. وفي المقابل، تؤدي الهجمات الإسرائيلية ضد إيران إلى تصعيد الموقف الإيراني ضد الغرب، مما يخلق حلقة أخرى من التصعيد المتبادل. وهذا يجعل كل طرف يعتمد على الآخر لتبرير سياساته الإقليمية والدولية.
فعلى الرغم من العداء الظاهري بين إسرائيل وإيران، إلا أن هذا العداء يخدم مصالح كل منهما، حيث تستفيد إسرائيل من التهديد الإيراني لتبرير سياساتها الأمنية وتعزيز دعم الغرب لها، بينما تستغل إيران العداء مع إسرائيل لتعزيز نفوذها الإقليمي وترسيخ شرعيتها الداخلية. وهكذا، وبطريقة إرادية أو غير إرادية، تتغذى القوتان على بعضهما البعض.

