في تطور يعكس اتساع الخلاف بين حليفين تربطهما شراكة استراتيجية وثيقة، أصدرت السلطات الأذربيجانية مذكرات توقيف بحق سبعة مواطنين أتراك يقيمون في تركيا، بينهم المعلق السياسي المؤيد للرئيس رجب طيب أردوغان، فاتح تزجان، على خلفية تصريحات ومنشورات واحتجاجات انتقدت القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية بأذربيجان.
وأعلن مكتب المدعي العام الأذربيجاني، الاثنين، أن محكمة منطقة بيناغادي في العاصمة باكو أصدرت أوامر التوقيف بحق المتهمين غيابيًا، مع إطلاق عمليات بحث دولية عنهم. وتشمل القائمة الناشط الإسلامي رضوان كايا، والكاتب زكريا جيران، المعروف بنشر أعماله باسم عبد الله إمام أوغلو، والمحامي أحمد شانلي، والباحث فخر الدين طاشكايا سارال، إضافة إلى عبد الرحمن تومر وألب أرسلان تانريكولو.
ويواجه السبعة اتهامات بالدعوة إلى إسقاط الحكومة بالقوة، والتحريض على الكراهية الدينية باستخدام العنف، وإنتاج مواد تروّج للتطرف الديني أو توزيعها. وبحسب بيان النيابة، تتعلق القضية بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي نُشرت بين 25 سبتمبر/أيلول و18 أكتوبر/تشرين الأول، إلى جانب خطابات ألقيت خلال احتجاجين أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول، وأمام سفارة أذربيجان في أنقرة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول.
ولم ينشر الادعاء النصوص الكاملة للمنشورات أو الخطابات التي يستند إليها في توجيه الاتهامات، لكنه أشار إلى التعاون مع المسؤولين الأتراك عبر آليات المساعدة القانونية الدولية.
قيود الحجاب تشعل مواجهة تتجاوز الحدود
بدأ الخلاف عقب تعديل أذربيجان، في 21 سبتمبر/أيلول، قواعد الزي المدرسي، بما يحظر الملابس التي تعتبرها السلطات غير متوافقة مع الزي الموحد أو التعليم العلماني. ورغم أن التعليمات لا تحظر الحجاب بالاسم، فإن مدارس استخدمتها لمنع فتيات محجبات من الدخول، ما أثار احتجاجات داخل أذربيجان وفي تركيا. كما واجهت معلمات قيودًا على ارتداء الحجاب أثناء العمل.
وأضفى البعد الديني على القضية حساسية سياسية خاصة لدى حكومة أردوغان، التي ألغت خلال السنوات الماضية حظر الحجاب في الجامعات والوظائف العامة في تركيا، بعد أن كانت القيود تحول دون وصول بعض النساء المحجبات إلى تلك المؤسسات.
وفي 22 سبتمبر/أيلول، انتقد أردوغان حظر الحجاب في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من دون تسمية دولة بعينها. وتؤكد أنقرة أن تصريحاته كانت تستهدف دولًا أوروبية، لا أذربيجان، لكن تزامنها مع الأزمة ساهم في إبراز التباين بين الموقفين.
من جهته، اعتبر حزب القضية الحرة الإسلامي «هدى بار»، في بيان نشره موقع «دوغرو خبر»، أن الملاحقات تمثل انتهاكًا لحرية التعبير. وقارن الحزب الإجراءات الأذربيجانية بالقيود التي شهدتها تركيا عقب الحملة التي قادها الجيش عام 1997 ضد التيارات السياسية الإسلامية.
اتهامات بالتدخل وضغوط متبادلة بين باكو وأنقرة
لم يقتصر التوتر على المواقف الدينية والإعلامية، بل امتد إلى تبادل الانتقادات بشأن حدود التدخل في الشؤون الداخلية. فقد أثارت تصريحات أوكتاي سارال، مستشار أردوغان، إلى جانب مواقف نواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، اعتراضات في أذربيجان، حيث اتهمت حكومة الرئيس إلهام علييف أطرافًا تركية بالتدخل في سياساتها الداخلية.
وذكر موقع «ميدل إيست آي»، الاثنين، نقلًا عن مسؤولين وأشخاص مطلعين على الخلاف، أن باكو طلبت من أنقرة إقالة سارال، وملاحقة المعلقين المتهمين بإهانة علييف، وحجب حسابات على منصات التواصل الاجتماعي. وأشار التقرير إلى أن بعض هذه الحسابات حُجب بالفعل في تركيا.
وفي سياق التصعيد الإعلامي، اتهمت وسائل إعلام أذربيجانية مقربة من الحكومة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتشجيع الاضطرابات ضد علييف. غير أن إحدى هذه الوسائل حذفت مقاطع استهدفت فيدان بعدما نفت السفارة التركية صحة الاتهامات، وفق التقرير نفسه.
وتكشف هذه التطورات أن الخلاف لم يعد متعلقًا فقط بحقوق ارتداء الحجاب، بل بات يشمل أيضًا الخطوط الحمراء التي تضعها كل دولة أمام الانتقادات السياسية والإعلامية الصادرة من الدولة الأخرى.
أنقرة تحاول احتواء الأزمة
سعت الحكومة التركية إلى الحد من تداعيات الخلاف والحفاظ على العلاقة مع باكو. وحذر رئيس الوزراء التركي الأسبق بن علي يلدريم، الأسبوع الماضي، من أن الأشخاص الذين يحاولون التدخل في شؤون أذربيجان سيُعاقبون، فيما شدد فيدان على أن الأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين البلدين تتقدم على خلافاتهما.
ومع ذلك، فإن إصدار مذكرات التوقيف يطرح تعقيدات قانونية إضافية. فالدستور التركي يمنع عمومًا تسليم المواطنين الأتراك إلى دول أخرى، ما يعني أن صدور المذكرات لا يؤدي تلقائيًا إلى تسليم المتهمين إلى أذربيجان، وإن كان يفتح الباب أمام إجراءات قانونية وتعاون دولي وفق الأطر المعمول بها.
شراكة دفاعية واقتصادية تحت ضغط الخلاف
تأتي الأزمة رغم استمرار التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين. فقد وقعت تركيا وأذربيجان إعلانًا للدفاع المتبادل عام 2021، كما أعلن مسؤولون أتراك في باكو، خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عقودًا دفاعية بقيمة 500 مليون دولار، وفق «ميدل إيست آي».
وتوضح هذه المصالح المتشابكة سبب حرص أنقرة على تجنب تحول الخلاف إلى أزمة استراتيجية مفتوحة. فالشراكة مع أذربيجان تمثل ركيزة مهمة في السياسة التركية بمنطقة جنوب القوقاز، بينما تستفيد باكو من التعاون الدفاعي والعلاقات الوثيقة مع أنقرة.
ومع ذلك، فإن استمرار الملاحقات والاتهامات المتبادلة قد يختبر قدرة الطرفين على الفصل بين المصالح الأمنية والخلافات المرتبطة بالدين والحريات العامة. وستظل كيفية التعامل مع المتهمين، ومصير القيود المفروضة على الحجاب، وموقف السلطات من الاحتجاجات، مؤشرات مهمة على اتجاه الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

