شكل الفوز الكاسح الذي حققه حزب “البديل من أجل ألمانيا” في انتخابات ولاية زاكسن أنهالت حدثاً إقليمياً في ظاهره، غير أن أبعاده السياسية امتدت لتتجاوز حدود الولايات الشرقية الألمانية نحو الفضاء الدولي.
وفي هذا السياق، يرى الصحفي الاستقصائي والباحث التركي المتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أيدوغان وطنداش، أن هذه النتائج لم تعد مجرد شأن محلي، بل تحولت إلى مؤشر على تشكل تحالف يميني عابر للأطلسي يربط بين حركة “ماغا” (Make America Great Again) الأمريكية ونظيراتها في أوروبا.
زلزال انتخابي في شرق ألمانيا وصدمة عابرة للحدود
وفقاً للنتائج الرسمية للانتخابات الإقليمية، ضاعف حزب “البديل من أجل ألمانيا” حصته الانتخابية السابقة بحصوله على 43.8 في المئة من الأصوات، حاصداً 39 مقعداً من أصل 83 مقعداً في برلمان الولاية. وفي المقابل، حل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ينتمي إليه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في المركز الثاني بفارق كبير، بعدما اقتصرت حصته على 17.2 في المئة فقط.
ورغم أن حزب “البديل” يفصله ثلاثة مقاعد عن تحقيق الأغلبية المطلقة، مما قد يحول دون تشكيله للحكومة المحلية، فإن هذا الفوز يمثل أقوى أداء انتخابي للحزب في أي ولاية ألمانية، ويجعله الأقرب لتولي السلطة في إحدى الولايات الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد قوبلت هذه النتائج بحالة من القلق في معظم الأوساط الأوروبية، غير أن رد الفعل في الولايات المتحدة جاء مغايراً تماماً؛ إذ اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورجل الأعمال إيلون ماسك وأطراف نافذة في اليمين الأمريكي هذا الفوز بمثابة جولة جديدة ضمن ثورة شعبوية عابرة للأطلسي. ويرى الباحث التركي أيدوغان ووطنداش أن هذا التباين يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين واشنطن وأوروبا، حيث لم تعد الإدارة الأمريكية تنظر إلى الحركات القومية المعارضة للمؤسسات الألمانية كأحزاب معارضة محلية، بل كشركاء أيديولوجيين.
شعار “جعْل ألمانيا عظيمة مجدداً”: قراءة ترامب للمشهد الألماني
عبر الرئيس دونالد ترامب عن ابتهاجه بالنتائج عبر منصته “تروث سوشيال”، واصفاً الليلة بأنها “كبيرة جداً” للشعبويين في ألمانيا، وأرجع صعود حزب “البديل” إلى الغضب الشعبي الناجم عن سياسات الهجرة. وكتب ترامب أن الناخبين “تعبوا أخيراً من قواعد وسياسات الهجرة السيئة للغاية التي أضرت بألمانيا”، مدمجاً تعليقه بالشعار المستحدث “MGGA” أي “جعْل ألمانيا عظيمة مجدداً”.
ويقدم الباحث أيدوغان ووطنداش تحليلاً لأهمية موقف ترامب عبر المحاور التالية:
- اختزال الأزمة في عامل واحد: اختزل ترامب الانتخابات الألمانية المعقدة في السردية التقليدية لحركة “ماغا”، ومفادها أن النخب السياسية فتحت الحدود وتجاهلت المواطنين حتى عاقبهم الناخبون في صندوق الاقتراع. وبذلك تم امتصاص الركود الاقتصادي، والتفاوت الإقليمي، وعدم الثقة بالمؤسسات الفيدرالية، وإحباطات إعادة توحيد ألمانيا، داخل تفسير واحد محصور في قضية الهجرة.
- التخلي عن الدبلوماسية التقليدية: تجنب ترامب استخدام اللغة التقليدية الرئاسية الأمريكية القائمة على تأكيد الاستقرار، والتحالف العابر للأطلسي، والتوافق الديمقراطي لألمانيا ما بعد الحرب. وبدلاً من ذلك، احتفل علناً بإهانة حزب المستشار ميرتس الحاكم، رغم أنه القائد المنتخب لأحد أهم حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
- دمج الحزب الألماني في علامة ترامب التجارية: هدف شعار “MGGA” إلى وضع حزب “البديل” ضمن العلامة السياسية التي بنيت حول ترامب نفسه، معتبراً أن ما شهدته ولاية زاكسن أنهالت هو النسخة الألمانية من التمرد الذي أعاده إلى البيت الأبيض.
غير أن الباحث أيدوغان وطنداش يلفت الانتباه إلى ضرورة التمييز بين مواقف ترامب والموقف المؤسسي للدولة الأمريكية؛ إذ لم يصدر أي إعلان رسمي عن وزارة الخارجية الأمريكية يعتمد صعود حزب “البديل” كهدف رسمي لواشنطن. ويؤكد وطنداش أن الدبلوماسيين المهنيين ومسؤولي الأمن والأطلسيين التقليديين ما زالوا يشعرون بالقلق حيال موقف حزب “البديل” من روسيا، وحلف الناتو، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي.
الإمبراطورية الرقمية: كيف وفر إيلون ماسك مظلة مشروعية دولية للحزب؟
جاء تعليق الملياردير إيلون ماسك مقتضباً باللغة الألمانية حين كتب “Gut gemacht!” أي “أحسنتم”، وهو ما قوبل بالشكر من أولريش سيغموند، مرشح حزب “البديل” في الولاية، الذي أعرب عن أمله في استمرار التعاون.
ويحلل أيدوغان وطنداش دور ماسك باعتباره تتويجاً لمسار بدأ قبل الانتخابات بفترة طويلة؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2024 صرح ماسك بأن “حزب البديل هو الوحيد القادر على إنقاذ ألمانيا”، ونشر مقال رأي يدعم الحزب، وأجرى حواراً مطولاً مع الرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل عبر منصة “إكس”، فضلاً عن مشاركته عبر الفيديو في إحدى الفعاليات الانتخابية للحزب.
ويوضح الباحث وطنداش أبعاد هذا الدعم في النقاط التالية:
- كسر العزلة السياسية: لم يقتصر دور ماسك على مجرد إبداء رأي فردي، بل استخدم بنيته التحتية الاتصالية العالمية للتدخل في النقاش السياسي لدولة أخرى. ومَنَحَ هذا الدعمُ حزبَ “البديل” ما حرمته منه المؤسسات الألمانية الرسمية طويلاً: الهيبة الدولية، والانتشار الرقمي الواسع، والارتباط بالحداثة التكنولوجية.
- الشرعية الدولية: أتاح دعم ماسك للحزب إقناع الناخبين بأنه ليس كياناً معزولاً أو منبوذاً، بل جزء من حركة دولية صاعدة تحظى بدعم أحد أبرز رواد الأعمال في العالم.
- مضاعف التأثير لا السبب الرئيسي: يشدد الباحث أيدوغان وطنداش على أن الجزم بأن ماسك هو من حسم الانتخابات لصالح الحزب يعد مبالغة؛ لشعبيته المحدودة داخل ألمانيا، ووجود قاعدة انتخابية صلبة للحزب في الولايات الشرقية مستندة إلى مشاكل اقتصادية، وتراجع ديمغرافي، وسخط من حكومة برلين، وهي عوامل سابقة لتدوينات ماسك. بالتالي، كان دور ماسك مضاعفاً ومشرعناً للخيار الانتخابي وليس صانعاً له.
محاور التقاطع الأيديولوجي الأربعة بين اليمين الأمريكي وحزب “البديل”
وفقاً لتحليل الباحث أيدوغان وطنداش، فإن فوز حزب “البديل” يحمل أربعة أبعاد جوهرية بالنسبة لليمين الأمريكي:
- ملف الهجرة وحماية الهوية: ينظر كل من تيار “ماغا” وحزب “البديل” إلى الهجرة الجماعية ليس كخطأ في السياسات فحسب، بل كتهديد وجودي للهوية الوطنية، مع اتهام الحكومات الليبرالية باستخدام الشعارات الإنسانية لتبرير التغيير الديمغرافي والثقافي دون موافقة شعبية.
- مناهضة النخب والمؤسسات الحاكمة: يجد مفهوم “الدولة العميقة” لدى تيار “ماغا” صداه في اتهامات حزب “البديل” للأحزاب الألمانية، ووسائل الإعلام العمومية، وأجهزة الاستخبارات، والنخب الثقافية، باعتبارها مؤسسات موجهة لإقصاء المعارضة الشعبوية.
- حرية التعبير وصراع الرقابة: تجلى هذا المحور في كلمة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس خلال مؤتمر ميونخ للأمن عام 2025، حيث اتهم القادة الأوروبيين بالخوف من ناخبيهم، وانتقد إقصاء الأحزاب الشعبوية، مشدداً على أن الخطر الأكبر على أوروبا يأتي “من الداخل” عبر الرقابة وسياسات الهجرة وقمع المعارضة. كما عقد فانس لقاءً مع أليس فايدل في الزيارة ذاتها، وهو ما اعتبره مسؤولو برلين تدخلاً في شؤونهم الانتخابية.
- إعادة تشكيل الجيوسياسة الأوروبية: يرى اليمين الأمريكي أن قوة حزب “البديل” قد تضعف التماسك السياسي للاتحاد الأوروبي، وتخفض الدعم الألماني لأوكرانيا، وتدعم الحكومات المقاومة للتكامل الأوروبي؛ وهو ما يتوافق مع رؤية تيار “أمريكا أولاً” الذي يعتبر الاتحاد الأوروبي منافساً بيروقراطياً وليس امتداداً للتحالف الغربي.
التأثير الأمريكي بين الحجم المباشر والدور المضاعف للأزمات المحلية
يطرح الباحث أيدوغان وطنداش تساؤلاً حول مدى مساهمة ترامب وحلفائه في صنع هذا الفوز؛ حيث تؤكد الشواهد وجود محاولات تأثير واضحة عبر ترويج ماسك للحزب، وتحدي فانس لـ “جدار الحماية” السياسي حوله، وتبني وسائل الإعلام المحافظة الأمريكية لسرديات تجعل حزب “البديل” موازياً لتيار “ماغا”.
ومع ذلك، يخلص وطنداش إلى أن التدخل الأمريكي كان “مضاعفاً للزخم” وليس سبباً أصلياً؛ وذلك للأسباب التالية:
- النتائج السابقة للحزب: سبق لحزب “البديل” أن حقق 37.1 في المئة من أصوات القائمة الثانية في ولاية زاكسن أنهالت خلال الانتخابات الاتحادية الألمانية عام 2025.
- الأزمات المحلية المستحكمة: يعود صعود الحزب بالأساس إلى عوامل داخلية، من بينها الاستياء من سياسات الهجرة، وارتفاع تكاليف الطاقة والسكن، واليقين الاقتصادي المتذبذب، والإحباط من حكومة ميرتس، وشعور سكان ألمانيا الشرقية بعدم تمثيل المؤسسات لهم.
- غياب التمويل التنظيمي: لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترامب نظمت أو مولت الحملة الانتخابية للحزب في الولاية سرياً، مما يجعل الأصوات نتاجاً لإخفاقات السياسة المحلية الألمانية بالدرجة الأولى.
تناقضات الدبلوماسية الأمريكية: بين المصالح الاستراتيجية والتقارب الأيديولوجي
يرى الباحث التركي أيدوغان وطنداش أن الحقبة الحالية أوجدت نموذجاً غير مسبوق في العلاقات الترانزأطلسية؛ فبينما اعتمدت واشنطن لعقود على دعم الحكومات المستقرة والتكامل الأوروبي، أصبحت اليوم تمارس تعاوناً رسمياً مع الحكومات القائمة بالتوازي مع تعاطف علني مع معارضيها الشعبويين.
ويؤدي هذا الوضع إلى تناقضات استراتيجية حادة يلخصها وطنداش فيما يلي:
- ازدواجية التعامل: تحتاج واشنطن إلى المستشار ميرتس في ملفات حلف الناتو، والتجارة، والعلاقات مع الصين، وأوكرانيا، في الوقت الذي يحتفل فيه الرئيس الأمريكي بالهزيمة الانتخابية الأشد لحزب ميرتس.
- التناقض في الملف الروسي: تتقاطع ميول حزب “البديل” الصديقة لروسيا مع توجهات أجهزة الأمن الأمريكية.
- التعارض الاقتصادي والعسكري: قد تتصادم القومية الاقتصادية للحزب مع المصالح التجارية الأمريكية، كما أن ألمانيا المجزأة سياسياً قد تكون أقل قدرة على زيادة الإنفاق الدفاعي وقيادة أوروبا وفق المتطلبات الأمريكية.
ويختتم الباحث التركي تحليله بالتقييم التالي: إن انتخابات زاكسن أنهالت أثبتت أن الانقسامات الأيديولوجية الأمريكية أصبحت جزءاً من الصراعات السياسية داخل أوروبا. ولم يكن شعار “MGGA” مجرد المزاح أو الشعار العابر، بل إعلان من حركة “ماغا” بأنها ترى في ألمانيا جبهة جديدة لتغيير النظام السياسي الغربي. وسواء تمكن حزب “البديل” من تشكيل الحكومة المحلية أم لا، فإن التحول الكبير قد حدث بالفعل باتكاء حزب كان منبوذاً على تشجيع رئيس الولايات المتحدة وأثرى رجل أعمال في العالم.

