في خطوة تعكس تسارع وتيرة التصنيع العسكري في أنقرة وتنامي دورها الإقليمي، كشفت القائمة السنوية الحديثة لعام 2026 التي أصدرتها منصة “ديفنس نيوز” الأمريكية المتخصصة في الشؤون العسكرية، عن نجاح خمس شركات صناعات دفاعية تركية في حجز مواقع متقدمة لها ضمن قائمة أكبر مئة مقاول دفاعي على مستوى العالم. وسجلت هذه الشركات الخمس مجتمعة عائدات دفاعية بلغت قرابة 14.9 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025. وجاء هذا التحول الكبير مدفوعاً بنمو الصادرات التركية وارتفاع الطلب العالمي على أنظمة الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والعتاد الصاروخي والمسيرات.
وعلى الرغم من تراجع تصنيف بعض الشركات التركية تراجعاً طفيفاً نتيجة التوسع السريع لمنافسين دوليين آخرين، فإن القراءة المتأنية للأرقام تكشف عن نمو مستمر في إيرادات جميع هذه الشركات مقارنة بالعام الماضي، مما يعكس مرونة وقدرة تنافسية عالية لقطاع الدفاع التركي في مواجهة تقلبات السوق العالمية.
اختراق تاريخي للمربع الذهبي ومفاجآت غير مسبوقة
تقود شركة “أسيلسان” (ASELSAN) المتخصصة في الإلكترونيات العسكرية مسيرة الصعود التركي بعد نجاحها في التقدم ثلاث درجات لتستقر في المرتبة الأربعين عالمياً. وبهذا الإنجاز الخارق، باتت “أسيلسان” أول شركة صناعات عسكرية تركية على الإطلاق تخترق حاجز الأربعين الكبار في هذا التصنيف العالمي المرموق. وتكشف البيانات المالية عن قفزة ملموسة في إيرادات الشركة الدفاعية بنسبة ناهزت 26 في المئة، حيث ارتفعت من 3.54 مليار دولار في عام 2024 لتصل إلى 4.46 مليار دولار في عام 2025.
وفي سياق متصل، برزت شركة “أركا للدفاع” (ARCA Defense) الخاصة كأحد أهم المفاجآت الصادمة والوافدين الجدد في تصنيف هذا العام؛ إذ حلت للمرة الأولى في المرتبة الثالثة والخمسين عالمياً. وحققت الشركة نمواً مالياً خارقاً تمثل في تضاعف عائداتها الدفاعية بأكثر من أربع مرات (بنسبة نمو بلغت قرابة 360 في المئة)، لتسجل ما يزيد قليلاً على ثلاثة مليارات دولار في عام 2025 مقارنة بنحو 653.2 مليون دولار في العام السابق له. ويرجع هذا النمو القياسي لشركة “أركا” المتخصصة في إنتاج ذخائر المدفعية والمتفجرات إلى الطلب الدولي غير المسبوق على الذخائر والعتاد العسكري التقليدي.
من رماد الحظر الأمريكي إلى قيادة مشروع “القبة الفولاذية“
تحمل قصة صعود شركة “أسيلسان” أبعاداً جيوسياسية وتاريخية هامة؛ إذ تأسست الشركة في عام 1975 بقرار حكومي سعى لتقليص اعتماد تركيا على التكنولوجيا العسكرية الغربية. وجاء تأسيس الشركة كرد فعل مباشر على حظر الأسلحة الذي فرضته الولايات المتحدة على أنقرة في أعقاب التدخل العسكري التركي في جزيرة قبرص عام 1974.
واليوم، تخضع الشركة التي تتخذ من أنقرة مقراً لها لملكية “مؤسسة القوات المسلحة التركية” بنسبة 74.2 في المئة. والشركة التي بدأت نشاطها قبل عقود كمنتج لأجهزة الراديو واللاسلكي العسكري، باتت اليوم عملاقاً تكنولوجياً يغطي قطاعات الرادار، والحرب الإلكترونية، وإلكترونيات الطيران، والاتصالات المؤمنة، وأنظمة القيادة والسيطرة، بالإضافة إلى تكنولوجيا الفضاء. وتعد “أسيلسان” حالياً المقاول الرئيسي لمشروع “القبة الفولاذية” (Steel Dome)، وهو المشروع الطموح لإنشاء شبكة دفاع جوي وطنية متعددة الطبقات لحماية الأجواء التركية.
وينعكس هذا التميز العملياتي على السوق المالية التركية بشكل لافت؛ ففي شهر مايو من عام 2026، تربعت “أسيلسان” كأكثر الشركات العامة قيمة في تركيا بعد أن تجاوزت قيمتها السوقية حاجز تريليوني ليرة تركية، مستفيدة من مكاسب أسهمها التي ارتفعت بنحو 90 في المئة منذ مطلع العام بفعل طلبيات قياسية وعقود تصدير جديدة.
تشريح أداء عمالقة الدفاع الأتراك ومواقعهم عالمياً
على الرغم من الحركية الشديدة التي يشهدها تصنيف “ديفنس نيوز” السنوي، يظهر التدقيق في البيانات المالية للشركات التركية الأخرى مستويات مستقرة من النمو التشغيلي:
- شركة صناعات الفضاء التركية (توساش – TUSAŞ): حافظت على مرتبتها كقوة دفاعية ثانية في البلاد، وحلت في المرتبة الثامنة والأربعين عالمياً. وعلى الرغم من تراجعها مرتبة واحدة مقارنة بتصنيف العام الماضي (المركز السابع والأربعين)، فإن إيراداتها الدفاعية ارتفعت بنسبة تقارب 16 في المئة لتصل إلى 3.65 مليار دولار.
- شركة “روكيتسان” لإنتاج الصواريخ (ROKETSAN): سجلت أفضل قفزة في الترتيب بين الشركات التركية التي كانت مدرجة في السابق، متقدمة سبع مراتب لتستقر في المركز الرابع والستين عالمياً. وارتفعت إيرادات الشركة الدفاعية بنسبة 18 في المئة تقريباً، لتصل إلى 2.37 مليار دولار مقارنة بملياري دولار في العام السابق.
- مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية (MKE): تراجعت الشركة الحكومية المتخصصة في صناعة الأسلحة والذخائر مرتبة واحدة لتستقر في المركز الحادي والثمانين عالمياً. ومع ذلك، سجلت عائداتها الدفاعية زيادة ملموسة بلغت قرابة 18 في المئة، لتصل قيمتها إلى 1.42 مليار دولار.
لغز غياب “بايكار” وعقدة الأرقام التقديرية
أثار خلو التصنيف العالمي من اسم شركة “بايكار” (Baykar) التركية الخاصة تساؤلات لافتة في الأوساط العسكرية والتحليلية. وتعتبر الشركة المصنع الأشهر على نطاق واسع للطائرات بدون طيار من طراز “بيرقدار تي بي 2” (Bayraktar TB2) ومسيرات “أقنجي” (Akıncı) الهجومية، وحققت صادرات عسكرية قياسية بلغت قيمتها 2.2 مليار دولار خلال عام 2025.
وفي غياب تفسير رسمي من “ديفنس نيوز” لهذا الاستبعاد، يرى مراقبون أن الشركة ربما فضلت عدم تقديم بياناتها المالية للمنصة لنشرها. وتوضح منصة “ديفنس نيوز” أن تصنيفها لا يعتمد حصراً على البيانات المالية المدققة للشركات طواعية؛ إذ تتعاون المنصة مع مؤسسات بحثية متخصصة مثل “سبيد ديفنس إندكس” والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) لتقدير عائدات الشركات التي لا تشارك في تقديم أرقامها. وبالتالي، قد تختلف بعض الأرقام الواردة في التصنيف عن الدفاتر المالية الداخلية للشركات، كما أن التغير في رتب الشركات قد ينتج في بعض الأحيان عن مراجعة المنهجية الحسابية أو إعادة الهيكلة الداخلية وليس بالضرورة تراجع أداء الشركات.
السيطرة الغربية مستمرة: عمالقة الدفاع الكبار في العالم
بينما تسعى تركيا لتثبيت أقدامها كلاعب دولي واعد في قطاع الدفاع، تكشف البيانات بوضوح استمرار الاحتكار التقليدي لشركات الدفاع الأمريكية والبريطانية على صدارة المشهد العالمي. وجاء ترتيب الشركات الخمس الكبرى في العالم على النحو التالي:
- لوكهيد مارتن (الولايات المتحدة): حافظت على الصدارة العالمية المطلقة بعائدات دفاعية بلغت 72.1 مليار دولار.
- آر تي إكس (RTX – الولايات المتحدة): جاءت في المرتبة الثانية بعائدات بلغت 46 مليار دولار.
- جنرال داينامكس (الولايات المتحدة): احتلت المرتبة الثالثة بعائدات بلغت 39.4 مليار دولار.
- نورثروب غرومان (الولايات المتحدة): حلت في المرتبة الرابعة بـ 37 مليار دولار.
- بي إيه إي سيستمز (BAE Systems – المملكة المتحدة): نالت المرتبة الخامسة عالمياً بعائدات بلغت 36 مليار دولار.
وعلى الرغم من هذه الفجوة الرقمية الشاسعة بين الشركات الغربية والشركات الصاعدة، فإن النمو الصاروخي لشركات تركية كشركة “أركا للدفاع” بنسبة 360 في المئة يشير إلى قدرة متزايدة للاعبين الإقليميين على تلبية الاحتياجات العسكرية الطارئة في العالم وتغيير جزء من معادلات سلاسل التوريد العسكري.

