شهدت العاصمة القرغيزية بيشكيك فصلاً جديداً من فصول التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي المعقد بين أنقرة وموسكو، حيث أرسل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إشارات واضحة حول عزم بلاده توسيع التعاون النووي مع روسيا ليشمل مشاريع جديدة.
وجاءت هذه التصريحات خلال مباحثات ثنائية أجراها أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافها مقر الإقامة الرئاسي “ألا أرتشا”.
وضم الاجتماع رفيع المستوى مسؤولين بارزين من كلا الجانبين المعنيين بملفات السياسة الخارجية والطاقة والتعاون النووي، وكان من بينهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والمدير العام لشركة “روساتوم” الحكومية الروسية للطاقة النووية أليكسي ليخاتشيف.
شراكة نووية تتحدى العقوبات الغربية
في الوقت الذي تقترب فيه تركيا من تدشين محطة “أقويو“، أول محطة تجارية للطاقة النووية في البلاد والمقامة في ولاية مرسين المطلة على البحر الأبيض المتوسط، يتطلع البلدان إلى ما هو أبعد من هذا المشروع الضخم.
المحطة التي أُسست بموجب اتفاقية ثنائية وُقعت عام 2010، تبلغ تكلفتها الاستثمارية حوالي 20 مليار دولار وتضم أربعة مفاعلات مصممة روسياً بقدرة إجمالية تصل إلى 4.8 جيجاوات، وتعتمد صيغة “البناء والتملك والتشغيل” التي تمنح شركة “روساتوم” الروسية السيطرة الفعلية على المشروع.
ورغم العقبات التمويلية واللوجستية الناجمة عن العقوبات الغربية المفروضة على موسكو إثر غزوها لأوكرانيا، إلا أن روسيا قدمت لتركيا تمويلاً جديداً بقيمة تسعة مليارات دولار في أواخر عام 2025 لتجاوز هذه العقبات. وفي هذا السياق، صرح بوتين بأن المفاعل الأول للمحطة سيبدأ العمل خلال العام الجاري، وهو ما يتسق مع التوقعات التركية ببدء توليد الكهرباء من المحطة في عام 2026.
وتتزامن هذه التطورات مع مساعي “روساتوم” لبيع حصة تصل إلى 49 في المئة من أسهم محطة “أقويو” لشركات تركية، في وقت تسببت فيه العقوبات بتجميد نحو ملياري دولار من أموال المشروع لدى مصرف “جي بي مورغان”.
خطط التوسع التركية وبدائل المستقبل
لا تقف الطموحات النووية التركية عند حدود “أقويو”؛ إذ تخطط أنقرة لإنشاء ثمانية مفاعلات كبرى إضافية، مقسمة بالتساوي بين ولاية سينوب الشمالية وإقليم تراكيسا في شمال غرب البلاد، وذلك ضمن رؤية استراتيجية لتقليل الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري المستورد.
وتأتي تلميحات أردوغان بفتح الباب أمام روسيا للمشاركة في مشاريع التوسع القادمة في وقت تواصل فيه أنقرة جولات التفاوض مع أطراف دولية متعددة شملت الصين وكوريا الجنوبية وكندا، دون الاستقرار النهائي على مقاول محدد لأي من المشروعين حتى الآن.
أمن البحر الأسود ومساعي إحياء اتفاق الحبوب
على الرغم من أن الجزء المعلن من المحادثات ركز على ملفات الطاقة والتبادل التجاري والزراعة والسياحة الروسية في تركيا، فإن اللقاء جاء غداة كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن خطة تركية جديدة تهدف لتأمين شحنات الحبوب عبر البحر الأسود.
وتسعى أنقرة إلى صياغة إطار عمل يحاكي الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة وتركيا عام 2022، والذي أتاح تصدير نحو 33 مليون طن متري من المنتجات الزراعية الأوكرانية قبل انسحاب روسيا منه عام 2023.
وتكتسب مسألة الأمن الملاحي أهمية قصوى لتركيا بعد استهداف سفن مرتبطة بها قرب السواحل الروسية في البحر الأسود أواخر شهر أغسطس الماضي، شملت سفينة الحاويات “ليدر بوردو مافي” وقارب المقطورة “ليدر كوجاتيبي”، وهو ما دفع الخارجية التركية لاستدعاء السفير الأوكراني في أنقرة.
وتواصل تركيا الحفاظ على توازن دبلوماسي دقيق منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022؛ فبينما تدعم وحدة الأراضي الأوكرانية وتمد كييف بالأسلحة، ترفض الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا وتُبقي قنوات الاتصال والتجارة مفتوحة مع موسكو.
ممر الوسط اللوجستي ورؤية التعددية القطبية
على صعيد السياسة الدولية، استغل الرئيس التركي مشاركته في القمة للمطالبة بتنسيق أوثق بين “ممر الوسط“ العابر لبحر قزوين والمبادرة الصينية “الحزام والطريق”. ووصف أردوغان منظمة شنغهاي للتعاون بأنها ركيزة أساسية في نظام عالمي متعدد الأقطاب ناشئ، مشيراً إلى الثقل الديموغرافي والاقتصادي للدول الأعضاء التي تمثل نحو 3.5 مليار نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يقدر بنحو 35 تريليون دولار.
ويرى أردوغان أن بلاده يمكن أن تلعب دوراً محورياً في ربط دول المنظمة بالأسواق الغربية عبر توسيع ممرات النقل وإدارة المخاطر الجيوسياسية. ويربط ممر الوسط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين وأذربيجان وجورجيا ووصولاً إلى تركيا، مقدماً بديلاً للممرات الشمالية المارة بروسيا. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاستثمار والتنسيق في هذا الممر يمكن أن يضاعف حجم التجارة عبره ثلاث مرات ويقلص زمن الشحن إلى النصف بحلول عام 2030.
وعلى هامش القمة، عقد أردوغان لقاءات ثنائية منفصلة شملت الرئيس الأذري إلهام علييف، حيث بحثا قضايا الطاقة والبنية التحتية والنقل ومسار السلام بين أذربيجان وأرمينيا، بالإضافة إلى لقاء مع الرئيس القرغيزي صادر جباروف.
تجدر الإشارة إلى أن تركيا تشغل صفة “شريك حوار” في منظمة شنغهاي منذ عام 2012، في حين تتولى باكستان الرئاسة الدورية المقبلة للمنظمة خلفاً لقرغيزستان.

