تشهد الأوساط السياسية والقانونية في تركيا استقطاباً حاداً ومحتدماً حول مدى إلزامية قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو سجال يعكس في جوهره صراعاً أعمق حول هوية الدولة الدستورية وموقعها في مؤشرات العدالة الدولية.
هذا الجدل الذي تفجر على خلفية قضية المعارض البارز والناشط الحقوقي عثمان كافالا، لم يعد مقتصراً على الخلاف التقليدي بين الحكومة والمعارضة، بل امتد ليفجر تباينات عميقة داخل معسكر المحافظين الحاكم نفسه، واضعاً التزامات تركيا الدولية في مهب ريح التعديلات الدستورية المرتقبة.
القصر الرئاسي: قرارات ستراتسبورغ ليست فوق القانون المحلي
في واجهة المتبنين لخط سيادي متشدد، يبرز محمد أوتشوم، كبير مستشاري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يقود حملة قانونية وسياسية لتقويض الدفع بإلزامية قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ويركز أوتشوم هجومه على التفسيرات القانونية التي تستند إلى المادة التسعين من الدستور التركي لتبرير إطلاق سراح عثمان كافالا فوراً تنفيذاً لقرارات المحكمة الأوروبية.
ويرى مستشار الرئاسة التركية أن المادة التسعين من الدستور تنظم حصراً “تعارض القواعد والمعايير” بين القوانين المحلية والمعاهدات الدولية، ولا علاقة لها بتطبيق الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم خارجية. وينطلق منطق أوتشوم من التمييز بين المعاهدة والحكم القضائي؛ إذ يرى أن قرارات المحكمة الأوروبية، رغم استنادها إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وبروتوكولاتها الإضافية، تظل في النهاية “أحكاماً قضائية وليست نصوصاً اتفاقية“ أو قواعد عامة. وبناءً على هذا التحليل، يعتبر أوتشوم أن إقحام المادة التسعين لفرض تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية يمثل “جهلاً بالقانون أو تحريفاً متعمداً له“.
ولا يتوقف موقف القصر عند حدود التفسير الدستوري الحالي، بل يمتد ليشكل رؤية مستقبلية تهدف إلى إعادة صياغة الالتزامات الدولية لتركيا؛ حيث لوّح أوتشوم بأن صياغة دستور جديد للبلاد قد لا تضمن الحفاظ على المقتضيات الحالية المتعلقة بالالتزام بالاتفاقيات الدولية وقرارات المحكمة الأوروبية.
نقد ذاتي من داخل “العدالة والتنمية”: عندما يتحدث مؤسسو الحزب
في المقابل، جاء الرد الأكثر إثارة للجدل من داخل الدائرة التاريخية المؤسسة لحزب العدالة والتنمية الحاكم. فقد وجه حسين تشيليك، وهو أحد مؤسسي الحزب ووزير التربية والثقافة الأسبق، انتقادات لاذعة وحادة لسياسات الحكومة القضائية، مستنداً إلى لغة الأرقام الصادرة عن جهات دولية مستقلة.
وعبر منصات التواصل الاجتماعي، اختار تشيليك تفكيك الخطاب الرسمي بالاستناد إلى “مؤشر سيادة القانون” الصادر عن “مشروع العدالة العالمية“. وأشار الوزير الأسبق بمرارة إلى تراجع تركيا للمرتبة 118 من أصل 143 دولة شملها المؤشر عالمياً. ولم تقتصر الصدمة على التصنيف العالمي، بل امتدت إقليمياً؛ إذ تقبع تركيا في المرتبة 14 من أصل 15 دولة في منطقة شرق أوروبا وآسيا الوسطى، ولم يتبق خلفها سوى روسيا، في حين تسبقها بيلاروسيا بمرتبة واحدة.
وصاغ تشيليك انتقاده بعبارات قوية اعتبر فيها أن “دولة القانون تتجسد بالممارسة لا بالشعارات الكاذبة“، محذراً من أنه “إذا اختل ميزان العدالة في بلد ما، فإن كل شيء آخر سيصيبه الاختلال“. ووجه دعوة صريحة ومباشرة إلى المؤسسة القضائية، والطبقة السياسية، وبشكل خاص إلى الحكومة، للتوقف ومراجعة الذات وإصلاح هذا المسار القضائي المتردي.
المعارضة الكردية: التنصل من القرارات هو “انتهاك صارخ للدستور”
ومن جانبها، دخلت المعارضة البرلمانية بقوة على خط السجال، حيث عبر جينكيز تشاندار، النائب عن حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) عن دائرة ديار بكر، عن رفضه المطلق لطروحات كبير مستشاري الرئاسة. وذكّر تشاندار بالتاريخ الطويل لالتزامات تركيا القانونية مع المنظومة الأوروبية، مستعرضاً محطات رئيسية:
- توقيع تركيا على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان منذ عام 1950.
- الاعتراف بحق الأفراد في تقديم التماسات فردية للمحكمة الأوروبية في عام 1987.
- قبول الاختصاص القضائي الإلزامي للمحكمة في عام 1990.
وشدد تشاندار على أن التعديل الدستوري التاريخي لعام 2004 الذي أُدخل على المادة التسعين يقطع الشك باليقين، بفرضه سمو المعاهدات الدولية المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية على القوانين المحلية عند التعارض، واصفاً تصريحات أوتشوم —دون تسميته بشكل مباشر— بـ”الأوهام الشخصية لشخص انقطعت صلته بالقانون داخل أروقة المجمع الرئاسي”.
وأكد النائب المعارض أن قرار الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية بشأن عثمان كافالا ملزم وغير قابل للطعن، وأن الامتناع عن تطبيقه يمثل “انتهاكاً صريحاً ومباشراً للدستور التركي“. ولم يقف موقف الحزب عند كافالا، بل تعداه للمطالبة بالإفراج الفوري عن كافة معتقلي احتجاجات “جيزي بارك”، بمن فيهم تشيغدم ماتر، ومينه أوزيردن، وجان أتالاي، وتايفون كهرامان. واختتم تشاندار بدعوة السلطات العامة في تركيا إلى الامتثال للفقرة الرابعة من المادة التسعين من الدستور وتجنب خرق الوثيقة الدستورية العليا للبلاد.

