كشفت تسريبات سياسية من داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا عن إعداد تقرير داخلي يتضمن مقترحات لإدخال تعديلات جوهرية على “نظام الحكم الرئاسي” المعمول به في البلاد.
وتشمل هذه المقترحات نقل بعض صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مجلس الوزراء، وإعادة هيكلة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لتعزيز دور البرلمان التركي.
وتشير المسودة التي أعدتها قيادات رفيعة في الحزب الحاكم، ونشرت تفاصيلها الكاتبة بستي كايالار في صحيفة “إيكونوميم” (Ekonomim) الاقتصادية التركية، إلى رغبة في معالجة الثغرات البيروقراطية والسياسية التي ظهرت منذ اعتماد النظام الرئاسي، وسط مساعٍ للاستفادة من “أجواء التوافق” الراهنة تحت قبة البرلمان لتمرير هذه الإصلاحات عبر تعديل دستوري مرتقب.
وزراء تحت قبة البرلمان: صيغة هجينة لتعزيز الفصل بين السلطات
تتصدر مقترحات المراجعة المرتقبة إعادة صياغة آلية اختيار أعضاء الحكومة وطريقة تفاعلهم مع السلطة التشريعية لتفعيل الأداء البرلماني وتفادي الفجوات السابقة. ووفقاً للتقرير المسرب، فإن التغييرات المزمعة تتلخص في النقاط التالية:
- تعيين الوزراء من بين أعضاء البرلمان: على عكس النظام الرئاسي الحالي الذي يشترط استقالة عضو البرلمان في حال تعيينه وزيراً، تقترح التعديلات الجديدة أن يتم تعيين الوزراء من بين النواب الحاليين مع احتفاظهم بمقاعدهم البرلمانية.
- حرمان الوزراء من حق التصويت: لضمان الفصل بين السلطات وعدم هيمنة السلطة التنفيذية على العملية التشريعية، سيُحرم الوزراء-النواب من التصويت على مشاريع القوانين أو القرارات، سواء داخل اللجان النيابية المشتركة أو في الجلسات العامة للبرلمان.
- إلزامية الحضور البرلماني ومتابعة القوانين: سيكون الوزراء ملزمين حضوراً شخصياً بمتابعة ومناقشة مسودات ومشاريع القوانين المتعلقة بحقائبهم الوزارية ومجالات اختصاصهم، ويشمل هذا الالتزام المشاركة الفعالة في نقاشات اللجان البرلمانية وفي جلسات المداولة العامة على حد سواء.
إحياء الرقابة التشريعية: عودة الاستجوابات والمساءلة الشفهية
يسعى المشروع الجديد إلى استعادة آليات الرقابة البرلمانية التي تراجعت بعد الانتقال الكامل إلى النظام الرئاسي، وذلك عبر إعادة إدخال أدوات مساءلة جوهرية مستوحاة من النظام البرلماني التقليدي:
- الاستجوابات الشفهية الثنائية: سيعاد إلزام الوزراء بالوقوف أمام البرلمان للإجابة شفهياً وبشكل مباشر على أسئلة النواب بمعدل مرتين شهرياً في جلسات البرلمان العامة.
- جلسات الرقابة الدورية المكثفة: تقرر تخصيص جلسة رقابية أسبوعية مخصصة لمناقشة القضايا الرقابية والمساءلة والتدقيق في الأداء الحكومي، تُعقد كل خمسة عشر يوماً وتحديداً يوم الثلاثاء لمدة ساعة كاملة.
- المثول الإلزامي السنوي لجميع الوزراء: سيتعين على وزيرين على الأقل حضور جلسات الرقابة والمساءلة شهرياً للإجابة عن الأسئلة الشفهية لأعضاء البرلمان. كما يفرض المقترح التزاماً دستورياً يقضي بمثول جميع الوزراء بلا استثناء مرة واحدة على الأقل في كل عام تشريعي للمشاركة في جلسات الاستجواب والمساءلة الشفهية.
إعادة توزيع السلطة التنفيذية: تقليص صلاحيات الرئيس وصيغة التوقيع المشترك
لا تقتصر التعديلات المقترحة على ضبط العلاقة مع البرلمان فحسب، بل تمتد لتطال صلب الهيكل القيادي للسلطة التنفيذية عبر إدخال مستويات جديدة لصنع القرار للحد من المركزية المفرطة:
- نقل وتفويض الصلاحيات الرئاسية: سيتم تفويض بعض صلاحيات رئيس الجمهورية الحالية ونقلها بشكل مباشر وصريح إلى مجلس الوزراء، في محاكاة لآليات اتخاذ القرار المعتمدة في الأنظمة البرلمانية.
- اعتماد آلية التوقيع المشترك: ستقسم القرارات والمراسيم التنفيذية إلى مستويات تضمن التوازن؛ حيث ستتطلب بعض القرارات الاستراتيجية توقيعاً مشتركاً يجمع بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء معاً. في المقابل، ستخضع حزمة أخرى من القرارات لصلاحية مجلس الوزراء وحده، وتصدر وتنشر في الجريدة الرسمية بموجب توقيع مجلس الوزراء فقط دون الحاجة لتوقيع الرئاسة.
إعادة هيكلة البيروقراطية: إلغاء “نواب الوزراء” والعودة لنظام “المستشارين“
أظهر التقرير المسرب نقداً داخلياً حاداً وغير مسبوق داخل أروقة حزب العدالة والتنمية لأداء الهيكل الإداري والبيروقراطي الحالي في الوزارات.
وتشير التقييمات داخل الحزب الحاكم إلى أن منصب “نائب الوزير” الذي تم استحداثه مع الانتقال للنظام الرئاسي لم يحقق الأداء البيروقراطي الفعال والكفاءة المطلوبة منه. وبناءً على هذه المراجعات، يتضمن المقترح التغييرات التالية:
- إلغاء مناصب نواب الوزراء بالكامل بالحقائب الوزارية التركية.
- إحياء نظام “المستشارين”: العودة إلى النظام الإداري الكلاسيكي الذي يعتمد على مستشارين مهنيين من ذوي الخبرة التكنوقراطية لقيادة وإدارة الهياكل الداخلية للوزارات. ويهدف هذا الإجراء إلى منح العمل الحكومي استقراراً إدارياً وحصانة مهنية، وتفادي سلبيات التسييس والضعف البيروقراطي التي وجهت كأبرز الانتقادات لتجربة نواب الوزراء.
تعديل قواعد اللعبة الانتخابية: اشتراط فارق النقاط العشر
في خطوة لافتة قد تسهم في إعادة صياغة التحالفات السياسية في تركيا، يطرح التقرير تعديلاً نوعياً على آلية حسم السباق الرئاسي.
فبموجب الصيغة الجديدة المقترحة، سيتم اشتراط وجود فارق لا يقل عن عشر نقاط مئوية بين المرشحين المتنافسين في جولات الانتخابات الرئاسية. ويمثل هذا المقترح تحولاً جوهرياً عن آلية الحسم المطلقة الحالية القائمة على صيغة “الخمسين بالمئة زائد واحد”، ويسعى إلى إرساء قواعد تضمن تمثيلاً أوسع واستقراراً سياسياً، وتجنب الانقسامات المجتمعية الحادة التي قد تنجم عن حسم المنصب الرئاسي بأغلبية طفيفة جداً بين جولتي الانتخابات.
استثمار التوافق البرلماني وبناء “دستور الـ 400 صوت“
وفقاً لتقييمات أدلت بها قيادات بارزة في حزب العدالة والتنمية لصحيفة “إيكونوميم”، فإن التوقيت الحالي لتقديم هذه المقترحات يرتبط بشكل وثيق بـ “أجواء سياسية غير مسبوقة” تولدت مؤخراً تحت قبة البرلمان التركي.
ويربط القادة الحزبيون هذا الزخم السياسي بإقرار البرلمان لـ “قانون إطار العمل لتركيا خالية من الإرهاب” بأغلبية قياسية بلغت 467 صوتاً، وهو ما اعتبر مؤشراً قوياً على إمكانية تحقيق توافقات كبرى تتجاوز خطوط الاستقطاب الحزبي المعتادة.
ويرى الحزب الحاكم أن هذه الأجواء الإيجابية تمثل فرصة سانحة لتمرير التعديلات الدستورية المطلوبة لتنفيذ هذه التغييرات؛ إذ تشير التقديرات الداخلية للحزب إلى أنه حتى وإن لم تبلغ التعديلات المقترحة سقف الـ 467 صوتاً، فإنها قادرة بيسر على تجاوز عتبة الـ 400 صوت في البرلمان، وهي الأغلبية الكافية التي تتيح إقرار التعديلات الدستورية مباشرة ودون الحاجة للجوء إلى استفتاء شعبي عام ومكلف.
وفي خطوة تؤكد جدية هذه المساعي، أوضحت المصادر أن خطة مراجعة وتعديل نظام الحكم الرئاسي لم تعد مجرد أفكار للنقاش، بل جرى تضمينها وإدراجها رسمياً كبند استراتيجي في “وثيقة رؤية الحزب لعام الخامس والعشرين”. ويظهر ذلك رغبة واضحة من الحزب في صياغة رؤية طويلة المدى تتكيف مع التوازنات السياسية المتغيرة، وترسي دعائم نظام هجين يجمع بين فعالية الإدارة الرئاسية وعمق الرقابة البرلمانية لضمان التوازن والاستمرارية.

