كشف تحليل نشرته دورية Responsible Statecraft أن حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم حوّل منذ عام 2024 نحو 6.2 مليون دولار إلى مكتبه التمثيلي في واشنطن، لتمويل شراء مقر جديد وتجهيزه وتغطية نفقات تشغيله ونشاطاته السياسية.
وتظهر الوثائق المقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي FARA أن المقر الأمريكي للحزب تلقى في أبريل/نيسان 2024 نحو 4.9 مليون دولار لشراء عقار في العاصمة الأمريكية وتغطية نفقات الحزب هناك.
وفي العام نفسه، اشترى المكتب مبنى كان يستخدم سابقاً سفارة لفرنسا، ويقع في شارع 16th Street NW مقابل متنزه Meridian Hill Park في واشنطن. ويعود تاريخ تشييد المبنى إلى عام 1907. (Responsible Statecraft)
تحويلات جديدة لتمويل المقر
وتكشف أحدث وثائق FARA، المؤرخة في 12 يوليو/تموز، أن مكتب حزب العدالة والتنمية في واشنطن تلقى 1,299,970 دولاراً إضافية من المقر الرئيسي للحزب، عبر ثلاث دفعات بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ومايو/أيار 2026.
وخصصت هذه الأموال للنفقات التشغيلية، فيما أنفق المكتب خلال الفترة نفسها نحو 1,076,912 دولاراً على أعمال البناء والتجهيز المعماري والرواتب وفواتير الخدمات وغيرها من المصاريف.
وبذلك وصلت التحويلات الإجمالية من الحزب في تركيا إلى مكتبه الأمريكي إلى نحو 6,199,970 دولاراً.
واشنطن.. أكثر من مجرد مكتب تمثيلي
الأرقام المالية ليست الجانب الوحيد اللافت في الوثائق. فخلال الأشهر الستة الأخيرة، نظم المكتب 85 فعالية واجتماعاً، شملت اتصالات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وأعضاء في الكونغرس.
وتشير السجلات إلى أن ممثلي الحزب عقدوا في أواخر يناير/كانون الثاني اجتماعات منفصلة مع الخبير في Atlantic Council ريتش أوتزن، والباحثة في Washington Institute آنا بورشيفسكايا، كما التقوا في مطلع فبراير/شباط مايكل دوران من Hudson Institute.
كما تواصل المكتب مع مساعدين ديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ومسؤولين في وزارة الخارجية لبحث العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وتركيا.
وهذا النشاط يعكس رغبة الحزب في بناء حضور مباشر ومستمر داخل الدوائر السياسية والفكرية الأمريكية، بدلاً من الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية الرسمية للدولة التركية.
مكتب تابع للحزب ومسجل كجهة سياسية أجنبية
تأسس المكتب الأمريكي لحزب العدالة والتنمية في مايو/أيار 2022، وهو مسجل في الولايات المتحدة باعتباره منظمة تابعة لحزب سياسي أجنبي.
ويُدار المكتب من جانب خليل موتلو، وهو قريب للرئيس رجب طيب أردوغان والمسؤول المسجل عن تمثيل الحزب في الولايات المتحدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء طبيعة قانون FARA، الذي يلزم الأفراد والجهات التي تعمل للتأثير في السياسة الأمريكية أو الرأي العام لحساب مصالح أجنبية بالكشف عن علاقاتها وأنشطتها ومعاملاتها المالية.
وبالتالي، فإن تسجيل المكتب بموجب القانون لا يعني بحد ذاته وجود مخالفة؛ بل يمثل إطاراً قانونياً يفرض على الجهة المعنية الإفصاح عن نشاطها وتمويلها وعلاقاتها.
لماذا يحتاج حزب حاكم إلى مركز بهذا الحجم في واشنطن؟
يمكن قراءة هذه الخطوة في سياق أوسع من مجرد شراء عقار أو توسيع مكتب حزبي.
فالعلاقات التركية ـ الأمريكية تشهد ملفات شديدة الحساسية، تشمل التعاون الدفاعي داخل الناتو، وصفقات الأسلحة، وسوريا، والعقوبات، والقضايا الإقليمية، إضافة إلى ملفات سياسية تركية تجد صدى داخل المؤسسات الأمريكية.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح الوصول المباشر إلى أعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث والخبراء والمسؤولين السابقين والحاليين أداة مهمة لأي جهة تسعى إلى تقديم رؤيتها وصياغة النقاش حول سياسات بلد آخر.
وتشير بيانات سابقة إلى أن المصالح التركية استخدمت على مدى سنوات شبكات من شركات الضغط ومراكز الأبحاث والشخصيات السياسية السابقة في واشنطن للتأثير في النقاشات المتعلقة بتركيا.
بين الدبلوماسية الرسمية والعمل السياسي
اللافت في الحالة الحالية هو وجود قناة موازية للدبلوماسية الحكومية التقليدية.
فالسفارة التركية تمثل الدولة التركية، بينما يمثل مكتب حزب العدالة والتنمية الحزب الحاكم نفسه. وهذا يتيح للحزب تقديم رؤيته السياسية والتواصل مع الفاعلين الأمريكيين من موقع مختلف عن موقع المؤسسات الرسمية للدولة.
كما يمنحه وجوداً أكثر مرونة داخل دوائر الأحزاب ومراكز الأبحاث والمجتمع السياسي الأمريكي، خصوصاً في القضايا التي ترتبط مباشرة بصورة أردوغان وحزبه والسياسة التركية الداخلية والخارجية.
واشنطن كساحة نفوذ سياسي
تكشف هذه التحويلات عن اتجاه أوسع في السياسة الدولية الحديثة: الصراع على النفوذ لم يعد يمر فقط عبر السفارات ووزارات الخارجية، بل أصبح يمتد إلى مراكز الأبحاث والكونغرس وشبكات الخبراء ودوائر صنع الرأي.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم استثمار حزب العدالة والتنمية في واشنطن باعتباره محاولة لبناء بنية مؤسسية طويلة الأمد للتواصل والتأثير، خصوصاً في ظل تعقيد العلاقة التركية ـ الأمريكية.
لكن حجم الإنفاق والنشاط يطرحان في الوقت نفسه سؤالاً مشروعاً حول مدى قدرة هذه المكاتب على التأثير الفعلي في القرارات الأمريكية، مقابل قدرتها على تحسين صورة تركيا والحزب والوصول إلى دوائر صنع القرار.

