دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى اعتماد خطاب أكثر هدوءاً واتزاناً في تناول العلاقات بين اليونان وتركيا، مؤكداً أن الواقع الجغرافي يجعل البلدين محكومين بالتعايش مهما بلغت حدة الخلافات السياسية والاستراتيجية بينهما.
وفي تصريحات أدلى بها لقناة OPEN اليونانية، شدد ميتسوتاكيس على أن الشعبين اليوناني والتركي يتطلعان إلى علاقات مستقرة، معتبراً أن استمرار التوتر الدائم لا يخدم مصالح أي من الطرفين، وأن إدارة الخلافات بالحوار تبقى الخيار الأكثر واقعية في ظل تشابك المصالح الإقليمية.
وقال إن “اليونان وتركيا محكومتان بالعيش جنباً إلى جنب”، مضيفاً أن وجود خلافات تاريخية لا يعني أن البلدين يجب أن يظلا في حالة مواجهة مستمرة.
انتقاد للتغطية الإعلامية والخطاب المتبادل
وجّه رئيس الوزراء اليوناني انتقادات إلى الطريقة التي تتناول بها بعض وسائل الإعلام في البلدين القضايا الخلافية، معتبراً أن تضخيم الأخبار والخرائط المتداولة يسهم في تأجيج التوترات بدلاً من تهدئتها، ويخلق انطباعات سلبية لدى الرأي العام لا تساعد على بناء الثقة المتبادلة.
وأكد أن النقاش العام في كل من أثينا وأنقرة يحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية، لأن الخطاب الإعلامي والسياسي قد يؤدي أحياناً إلى تعقيد الملفات الحساسة بدلاً من تهيئة الظروف لمعالجتها.
رفض مزاعم خضوع أثينا للموقف التركي
نفى ميتسوتاكيس بشكل قاطع الاتهامات التي تتردد أحياناً بشأن سعي اليونان للحصول على موافقة تركيا في عدد من الملفات السيادية.
وأوضح أن بلاده لا تطلب إذناً من أنقرة فيما يتعلق بربط الجزر اليونانية، أو إنشاء المتنزهات البحرية، أو إعداد التخطيط البحري، أو سياسات الدفاع، أو عمليات استكشاف موارد الطاقة، مؤكداً أن هذه القضايا تندرج ضمن القرارات السيادية التي تتخذها الحكومة اليونانية بصورة مستقلة.
ترسيم الحدود البحرية خارج إطار التفاوض الحالي
وفيما يتعلق بأحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، أكد رئيس الوزراء اليوناني أن أثينا ليست مستعدة في المرحلة الحالية للدخول في مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى تسوية بشأن ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة أو الجرف القاري.
وأضاف أن أي مفاوضات مستقبلية يجب ألا تُجرى من “موقع ضعف”، في إشارة إلى تمسك الحكومة اليونانية بعدم تقديم تنازلات تحت ضغط التوترات الإقليمية أو موازين القوى.
ويعكس هذا الموقف استمرار تمسك أثينا بأن أي حوار حول القضايا البحرية ينبغي أن يتم وفق رؤيتها القانونية والسيادية، وهو ما يبقي أحد أبرز ملفات الخلاف مع أنقرة دون حل حتى الآن.
نزاعات تاريخية لا تزال ترسم ملامح العلاقة
تمتد الخلافات بين تركيا واليونان، وهما عضوان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لعقود طويلة، وتشمل مجموعة واسعة من الملفات المعقدة، أبرزها ترسيم الحدود البحرية، والسيادة على بعض المناطق في بحر إيجه، والمجال الجوي، وحقوق التنقيب عن الطاقة في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط.
كما تبقى القضية القبرصية أحد أبرز عناصر التوتر بين البلدين، إذ لا تزال الجزيرة منقسمة منذ عام 1974، مع استمرار الخلافات السياسية والأمنية المرتبطة بمستقبلها.
تحسن سياسي لم ينهِ الخلافات الجوهرية
شهدت العلاقات التركية اليونانية انفراجاً نسبياً منذ توقيع إعلان أثينا للعلاقات الودية وحسن الجوار عام 2023، والذي أرسى إطاراً لتعزيز الحوار السياسي وخفض حدة التوتر بين الجانبين.
وقد ساهمت اللقاءات المتكررة بين قيادتي البلدين، إلى جانب آليات التشاور الثنائية وإجراءات بناء الثقة، في تقليص احتمالات التصعيد العسكري مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها ترسيم الحدود البحرية، ما زالت بعيدة عن أي تسوية نهائية.
عقدة المياه الإقليمية ما زالت قائمة
يبقى ملف المياه الإقليمية في بحر إيجه من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية.
فمنذ عام 1995، يتمسك البرلمان التركي بموقف يعتبر أن أي خطوة يونانية لتوسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى أكثر من ستة أميال بحرية ستُعد سبباً للحرب، وهو موقف لا يزال قائماً حتى اليوم ويشكل أحد أبرز عوامل الردع المتبادل بين البلدين.
في المقابل، تؤكد اليونان أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تمنح الدول الساحلية الحق في توسيع مياهها الإقليمية حتى اثني عشر ميلاً بحرياً، وهو ما ترفضه تركيا بحجة أن الظروف الجغرافية الخاصة ببحر إيجه تجعل تطبيق هذا المبدأ بصورة أحادية أمراً يخل بالتوازن القائم.
التطورات الإقليمية تعزز الحاجة إلى الحوار
تأتي تصريحات ميتسوتاكيس في ظل مرحلة تشهد فيها منطقة شرق البحر المتوسط تغيرات متسارعة، سواء على صعيد مشاريع الطاقة، أو التنافس الجيوسياسي، أو التحولات الأمنية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب أولويات حلف الناتو.
ورغم استمرار الخلافات، حافظت أنقرة وأثينا خلال الأشهر الأخيرة على قنوات الاتصال السياسية والعسكرية المفتوحة، بما في ذلك آليات منع الاحتكاك بين القوات المسلحة، في محاولة للحيلولة دون تحول الحوادث الميدانية إلى أزمات سياسية.

