بقلم: صابر المشرفي
منذ إعلان وفاة الأستاذ فتح الله كولن في العشرين من أكتوبر 2024، بدا أن سؤالًا واحدًا يسبق سائر الأسئلة: ماذا سيحدث لحركة الخدمة بعد غياب مؤسسها وملهمها الروحي؟ وهل تستطيع الاستمرار من دونه، أم تدخل سريعًا في صراع على القيادة والمال والنفوذ؟
السؤال مشروع. فغياب المؤسس يمثل اختبارًا صعبًا لأي حركة فكرية أو اجتماعية، خصوصًا حين يكون صاحبها حاضرًا في وجدان أتباعه بهذه القوة. لكن بعض الإجابات كانت جاهزة قبل أن تبدأ الوقائع؛ فقد سارعت منصات إعلامية تركية إلى الحديث عن «معركة الخلافة» و«حرب الأجنحة» و«تقسيم التركة»، ثم انتهت من ذلك كله إلى إعلان أن الحركة تتفكك من داخلها، غير أن الواقع، كعادته، أكثر تعقيدًا من العناوين.
نعم، توجد خلافات داخل حركة الخدمة، وهناك انتقادات لبعض الشخصيات وطرق الإدارة، ومطالب متزايدة بالشفافية وإفساح المجال أمام الشباب والنساء، كما غادرها أفراد وأطلق بعضهم منصات خاصة. لكن هل يعني ذلك أن الحركة انقسمت فعلًا إلى تنظيمات متصارعة؟ لا تقدِّم المعطيات المتاحة حتى الآن ما يكفي لإثبات هذا الاستنتاج.
أزمة الخلافة التي لم تقع
تبني رواية الانقسام جانبًا كبيرًا من حجتها على البحث عن «خليفة» للأستاذ كولن، وتُذكر أسماء بعينها، ثم تُوزِّع الحركة بين جناح أمريكي وآخر أوروبي، وكأننا أمام حزب سياسي مركزي أو تنظيم هرمي ينتظر رئيسًا جديدًا.
لكن فتح الله كولن لم يكن رئيسًا قانونيًّا لشبكة المؤسسات المستلهمة لأفكاره، ولم تكن المدارس والجمعيات ومراكز الحوار المنتشرة في العالم فروعًا إدارية يملكها أو يعيّن مسؤوليها، كان صاحب الفكرة ومرجعيتها الروحية والفكرية، وهو موقع لا ينتقل بقرار إداري ولا يُورَث كما تورَث المناصب.
أما المؤسسات، فمعظمها مسجل بصورة مستقلة وفق قوانين البلدان التي يعمل فيها، وله مجلس إدارته وموارده وبرامجه المحلية، وما يربط هذه المؤسسات هو الفكرة والمجال المشترك: التعليم والحوار والعمل الإنساني وخدمة المجتمع.
ولهذا أعلنت مؤسسة «القيم المشتركة» بعد رحيل الأستاذ كولن أنه لن يُعيَّن شخصٌ بديلًا عنه، وأن الحركة ستواصل عملها من خلال الشورى والوعي الجمعي، مع تعزيز اللامركزية والتعددية والشفافية وتجديد هيئات اتخاذ القرار.
قد يسأل بعضهم: وهل تطبَّق هذه المبادئ فعلًا؟ وهذا سؤال مطلوب، ولا ينبغي الهرب منه، لكن عدم ظهور «زعيم جديد» لا يثبت وقوع معركة على الخلافة؛ إذ لم يكن هناك أصلًا منصب شاغر يحمل هذا الاسم.
الخلاف موجود.. والإنكار لا يفيد
لا تحتاج حركة الخدمة إلى الادعاء بأن كل شيء داخلها على ما يرام، فمن غير المعقول أن تضم حركة عالمية آلاف المتطوعين ومئات المؤسسات في بيئات وثقافات متباينة، ثم يتفق الجميع على كل شيء.
الخلافات موجودة، وهي أقدم من وفاة الأستاذ كولن، فمنذ انتقال مركز ثقل الحركة من تركيا إلى أوروبا والولايات المتحدة بعد عام 2016، ارتفعت أصوات، خاصة من الشباب وأبناء الجيل الثاني، تطالب بإدارة أكثر شفافية، وبآليات معلنة لاختيار المسؤولين، وبفترات محددة للمناصب، وبحضور أوسع للنساء والكفاءات المهنية.
وقد رصدت دراسة أكاديمية نشرتها دورية Contemporary Islam عام 2025 هذه النقاشات، وبيّنت أن قطاعات داخل الحركة في المهجر كانت تضغط منذ سنوات من أجل مراجعة أساليب الإدارة القديمة وتطويرها بما يتناسب مع قوانين المجتمعات الديمقراطية ومعايير الحوكمة فيها.
ومن الطبيعي أن يثير هذا التحول مقاومة لدى بعض الوجوه القديمة، وأن تحدث خلافات حول الأشخاص والأولويات، لكن الخلاف بين جيلين، أو بين إدارة تقليدية ودعوات إلى الإصلاح، لا يعني بالضرورة أن الحركة انقسمت، أحيانًا يكون خروج الخلاف إلى العلن علامة على أن ثقافة الصمت بدأت تتراجع. بل إن تغيير أعضاء بعض الهيئات، وإدخال شخصيات جديدة، وتوسيع تمثيل النساء، يمكن أن يُقرأ باعتباره تجديدًا مؤسسيًّا، لا «انقلابًا داخليًّا»، كما وصفته بعض العناوين.
وماذا عن «يني هركول»؟
من أبرز الأدلة التي استندت إليها الأخبار الأخيرة ظهور منصة باسم «يني هركول». فقد أصدرت بيانات تنتقد الإدارة الحالية، ثم أعلنت مراجعة تجربتها وإنهاء روابطها السابقة، وتحدثت عن المصالحة مع الدولة التركية والاستفادة من أي ترتيبات قانونية قد تسمح بالعودة.
وجود هذه المنصة حقيقة، ولا حاجة إلى إنكاره، لكن تحويلها إلى دليل على انقسام حركة عالمية يحتاج إلى أكثر من حساب إلكتروني وعدد محدود من الأسماء.
فالمنصة نفسها أعلنت أنها أنهت صلاتها التنظيمية والمالية والقانونية بالحركة، وهي بذلك تقدم نفسها بوصفها مجموعة غادرت، لا جناحًا ينازع على قيادة الحركة من داخلها. كما لا تتوافر معلومات مستقلة عن عدد أعضائها، أو حجم تمثيلها، أو المؤسسات التي تتبعها، أو قدرتها على التأثير في القاعدة الواسعة لمتطوعي الخدمة.
من حق أي إنسان أن يراجع تجربته ويغير موقفه، ومن حقه أن ينتقد من كان يعمل معهم، لكن مغادرة أفراد لحركة لا تعني انقسام الحركة، وإلا لعدَدْنا كل استقالة من حزب أو مؤسسة انشقاقًا تاريخيًّا.
الانقسام الحقيقي يحتاج إلى جناحين واضحين، وقيادتين متنافستين، ومؤسسات تنفصل، وكتلة معتبرة من المتطوعين تنتقل إلى كيان جديد، وربما رؤية فكرية تنازع الرؤية الأصلية. ولا نرى حتى الآن شيئًا بهذا الحجم.
رواية تتغير أرقامها كل عام
المثير للانتباه أن أخبار التفكك لم تبدأ بعد وفاة الأستاذ كولن؛ ففي عام 2022 تحدثت «تي آر تي خبر» عن انقسام الحركة إلى أربع مجموعات. وفي عام 2023 نشرت وكالة الأناضول تحليلًا يقسمها إلى خمس مجموعات، مع أن الأستاذ كولن كان لا يزال حيًّا.
وبعد وفاته عادت الرواية نفسها، لكن الأعداد والأسماء تبدلت. مرة توصف الأزمة بأنها صراع بين أمريكا وأوروبا، ومرة بين شخصين على القيادة، ومرة بين «التقليديين» و«الإصلاحيين»، ثم ظهرت منصة «يني هركول» فأضيفت إلى خريطة الانقسامات.
لا يعني ذلك أن كل ما يُنشر مختلق، فبعض الأخبار ينطلق من خلافات حقيقية وتصريحات منشورة. لكن هناك فرقًا بين نقل الخلاف وبين تحميله ما لا يحتمل.
كما أن كثيرًا من هذه التقارير يعتمد على «مصادر أمنية» لا تُسمَّى، أو على مشادات في وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يقفز منها إلى أحكام واسعة عن مئات المؤسسات وآلاف المتطوعين في عشرات الدول.
وتظهر هنا مفارقة يصعب تجاهلها: تُقدَّم حركة الخدمة حينًا باعتبارها تنظيمًا حديديًّا شديد المركزية، لا يتحرك فرد فيه إلا بأمر؛ ثم تُقدم في الوقت نفسه باعتبارها مجموعات متناثرة لا يجمع بينها قرار. لا يمكن أن تكون الصورتان صحيحتين معًا بالصورة المطلقة التي تروجان بها.
الحركة مطالبة بإجابة عملية
مع ذلك، لا يكفي أن تقول حركة الخدمة: نحن لم ننقسم. فالإجابة الحقيقية لا تكون ببيان، وإنما بطريقة إدارة المرحلة الجديدة.
الحركة مطالبة بأن تكون أكثر وضوحًا في آليات اختيار مسؤوليها، وأكثر صرامة في الرقابة المالية، وأن تفسح المجال للكفاءات الجديدة، وتحدد مدد المسؤوليات، وتمنح النساء والشباب حضورًا فعليًّا لا رمزيًّا، وتفتح أبواب النقد الداخلي من دون أن يتحول صاحبه إلى خصم.
كما أن بعض الاتهامات المتعلقة بالإدارة أو الأموال لا ينبغي التعامل معها بالصمت الطويل. فما كان يُقبل في زمن التضييق والعمل شبه المغلق لا يصلح بالضرورة في المجتمعات التي تخضع فيها المؤسسات المدنية لقواعد الإفصاح والمحاسبة.
الدفاع عن الحركة لا يكون بإنكار أخطائها أو تقديس رجالها، وإنما بتمييز رسالتها عن اجتهادات الأشخاص. فالأفراد يصيبون ويخطئون، أما القيم التي قامت عليها الخدمة ــ التعليم والحوار والإغاثة وبناء الإنسان ــ فلا ينبغي أن تُختزل في اسم مسؤول أو خلاف بين شخصين.
من المؤسس إلى المؤسسة
لم تعد حركة الخدمة كما كانت قبل عشرين عامًا. لقد خسرت معظم مؤسساتها داخل تركيا، وهاجر كثير من أبنائها، وانتقل نشاطها إلى بيئات جديدة، ثم فقدت الشخصية التي مثلت مرجعيتها الروحية لعقود.
لا يمكن أن تمر كل هذه التحولات من دون أثر. سيغادر بعض الناس، وسيعيد آخرون النظر في تجربتهم، وستظهر انتقادات وتيارات مختلفة في فهم الأولويات. لكن التغير لا يساوي الانقسام، والمراجعة لا تعني الانهيار.
حتى الآن، لم يظهر وريث يطالب بموقع الأستاذ كولن، ولا قيادة منافسة تدعي تمثيل الحركة، ولا مجموعة كبيرة من المؤسسات أعلنت انفصالها، ولا خلاف فكري حول المبادئ الأساسية. وما تزال المؤسسات تعمل في مجالات التعليم والحوار والإغاثة، وإن بدرجات متفاوتة من النجاح.
لذلك فإن الوصف الأقرب إلى الحقيقة هو أن حركة الخدمة تمر بمرحلة انتقال صعبة: من الحضور الطاغي للمؤسس إلى إدارة جماعية، ومن المركزية القديمة إلى قدر أكبر من اللامركزية، ومن الثقة الشخصية إلى الحاجة إلى قواعد مؤسسية معلنة.
قد تنجح في هذا الانتقال وقد تتعثر. المستقبل وحده سيحسم ذلك. أما الحديث عن أنها انقسمت وانتهت، فحكم يسبق الوقائع، وقد تكرر أعوامًا قبل وفاة مؤسسها ثم ظل يتكرر بعدها.
السؤال الحقيقي ليس: مَن ورث فتح الله كولن؟ فلا أحد يرث تجربة روحية وفكرية كما يرث منصبًا. السؤال هو: هل تستطيع القيم التي دعا إليها أن تعيش في مؤسسات شفافة، وأن تحملها أجيال جديدة من دون أن تبقى معلقة بشخص واحد؟
هذا هو اختبار حركة الخدمة بعد كولن؛ اختبار الانتقال من المؤسس إلى المؤسسة، لا معركة اقتسام التركة.

